التحرش بالأطفال في السودان.. الوجه القذر لانهيار الدولة والمجتمع

يوسف عز الدين

هل هو وباء.. أم انحلال.. أم سقوط جماعي للضمير؟

لم تعد الحكاية مجرد حادثة فردية في زقاق، ولا نزوة عابرة من منحرف. نحن أمام نمط، وأمام ظاهرة تطل برأسها القبيح كل يوم من مدرسة، أو نادٍ رياضٍ، أو مؤسسة مصرفية يُفترض أنها عنوان للأمانة، أو من مكان يُفترض أنه الأكثر أماناً.

حين نسمع أن موظفاً مؤتمناً، أو رئيس نادٍ رياضي يُفترض أنه مربٍ للأجيال، متهم بالتحرش بطفل، فالقضية لم تعد قضية شخص، بل قضية مجتمع يتدحرج نحو الهاوية الأخلاقية.

فهل ما يحدث وباء؟ نعم، وباء.
هل هو انحلال مجتمعي؟ نعم، انحلال بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ماذا نسمي هذا؟ إنه انتكاسة تاريخية في أخلاق السودانيين.

*الجانب السياسي.. دولة سقطت فأسقطت أخلاقنا*

لا يمكن فصل التحرش بالأطفال عن انهيار الدولة. دولة بلا قانون يحمي الأطفال، وسنوات حرب لا تعمل خلالها المحاكم بفاعلية، ولا توجد فيها نيابات فاعلة لحماية الأسرة والطفل، ولا شرطة مجتمعية، ولا رقابة كافية. في مثل هذه الظروف، قد يشعر المجرم بأنه لن يُعاقب.

في السودان اليوم، قد يرتكب شخص جريمة، ثم يهرب إلى مدينة أخرى، ظناً منه أنه سيفلت من العقاب.

النخب مشغولة بالسلطة والذهب والكراسي، ولم نسمع يوماً عن برنامج قومي فاعل ومتكامل لحماية الطفل. كم طفلاً شردته الحرب؟ ملايين الأطفال يعيشون في الشوارع، وفي معسكرات النزوح، وفي بيوت الإيجار المكتظة، وفي القاهرة وأسوان وكمبالا، بلا حماية كافية. والطفل الذي يعيش في الشارع أو في ظروف هشة يصبح أكثر عرضة للاستغلال والانتهاك.

السياسات التي جعلت التعليم بمقابل، والصحة بمقابل، والأمن بمقابل، أسهمت في خلق بيئة يمكن أن يُستغل فيها احتياج الطفل، فيُساوَم على جسده مقابل وجبة، أو درجة دراسية، أو فرصة للعب في نادٍ رياضي.

*الجانب الاجتماعي.. سكتنا فتوحشوا*

لماذا نسكت؟ الخوف والعار. تكتشف الأسرة أن ابنها تعرّض للتحرش، فتلتزم الصمت خوفاً من الفضيحة.

هذا الصمت قد يتيح للمعتدي الإفلات من المساءلة، ويعرّض أطفالاً آخرين للخطر. نحن نستر على المجرم ونفضح الضحية. وهذه هي الجريمة الثانية.

أخطر هؤلاء وأقذرهم على الإطلاق من يلبس ثوب الدين ليستر عورته. رجل دين يُفترض أنه حامي الأخلاق، يعلّم الطفل القرآن نهاراً، ثم ينتهك براءته ليلاً في الخلوة.
يستخدم هيبة العمامة، وجلال اللحية، ومكانته المقدسة في نظر المجتمع، فلا ينتهك جسد الطفل فحسب، بل يسيء إلى الدين نفسه، ويزرع في قلب الصغير كراهية للمسجد.

حين تتحول خلوة لتحفيظ القرآن، يرسل إليها الفقراء أبناءهم لقلة حيلتهم، إلى مسرح لانتهاك الأطفال، فإن الأمر يصبح بالغ الخطورة، ولا يجوز السكوت عنه.

إن الصمت المجتمعي الطويل بدعوى الستر قد يتيح استمرار الانتهاكات، ويكشف غياب الرقابة والمساءلة عن بعض الخلاوي، حيث يُترك الطفل تحت سلطة شخص قد لا يكون أهلاً للثقة. إنها جريمة مزدوجة لا تُغتفر.

نحن نثق في الأستاذ، والمدرب، والموظف المحترم، ورئيس النادي، ونرسل إليهم أطفالنا مغمضي العينين، وقد نسينا أن بعض المعتدين لا يأتون من الشارع، بل من دائرة الثقة.

الطفل في ثقافتنا لا صوت له. إذا اشتكى، لا يُصدَّق، بل يُقال له: «اسكت، عيب». وهكذا نكسر الطفل مرتين: مرة بالتحرش، ومرة بتكذيبه.

وما أُثير بشأن قضايا في مؤسسات مصرفية وأندية رياضية، وتداولته منصات التواصل الاجتماعي، سواء ثبتت الاتهامات الواردة فيها أم لم تثبت، يجب أن يكون جرس إنذار يدفع إلى التحقيق الجاد، وحماية الأطفال، وضمان العدالة، بعيداً عن التشهير أو إصدار الأحكام المسبقة.

فالمؤسسة التي يُفترض أن تحمي أموال الناس، أو تربي أجسادهم وعقولهم، يمكن أن تتحول إلى بيئة غير آمنة إذا غاب الضمير والرقابة والمساءلة.

إن لم نتحرك اليوم، فقد نستيقظ غداً على جيل كامل مكسور، جيل يعاني آثاراً نفسية واجتماعية عميقة نتيجة انتهاك براءته وحرمانه من الحماية. هذا ليس انحلالاً فقط.. هذا انتحار أخلاقي بطيء.

والساكت عن الانتهاكات، والقادر على منعها أو الإبلاغ عنها ثم يتعمد التستر عليها، يتحمل نصيباً من المسؤولية الأخلاقية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.