حين يعجز المنهج عن صناعة المواطن: التربية بين وهم التحصيل ومأزق الهوية الوطنية

محمد سراج محمد

أيُّ مواطنٍ ننتظر من منهجٍ يكدّس المعلومات في الذاكرة، ثم يتعامل مع بناء الضمير كأنّه نشاطٌ لا صلة له بالامتحان؟
لعلّ أعظم مفارقات التعليم أن تنجح المدرسة في تخريج طالبٍ يحفظ تعريف الوطن، ويعجز عن احترام أبنائه؛ ويستظهر معنى القانون، ثم لا يتردد في انتهاكه؛ ويحفظ دروس التاريخ عن أمجاد الأمم، بينما يشارك، بوعيٍ أو بدونه، في إعادة إنتاج أسباب انكسار أمته. عندئذٍ، لا يعود السؤال عمّا تعلّمه الطالب، بل عمّا عجز التعليم عن غرسه فيه، وما الذي تبقّى من التربية بعدما استنفد المنهج جهده في تلقين الإجابات وإهمال صناعة الأسئلة.
إنّ أزمة المنهج لا تُقاس بعدد صفحاته، ولا بكثافة معلوماته، ولا بقدرته على استنزاف ذاكرة الطالب قبيل الامتحانات؛ إنما تُقاس بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والانتماء إلى مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع والدولة. فالتعليم الذي يكتفي بحشو الأذهان، ثم يحتفل بارتفاع نسب النجاح، يشبه من يقيس خصوبة الأرض بعدد البذور التي ألقاها فيها، دون أن يسأل إن كانت قد أنبتت شيئاً. وقد تتخم المناهج عقول الطلاب بالمعلومات، بينما تترك ضمائرهم جائعة إلى قيم العدالة، واحترام التنوع، وقبول الآخر، وسيادة القانون، والتوازن بين الحقوق والواجبات.
ولعلّ المفارقة الأكثر سخرية أنّنا نريد من المدرسة أن تصنع مواطناً صالحاً، بينما قد نترك في بعض مناهجنا فراغاً أخلاقياً تتسلل منه العصبيات الضيقة، وخطابات الكراهية، وأوهام التفوق العرقي أو القبلي أو الحزبي. نطالب الطالب بأن يحب الوطن، لكننا لا نمنحه بالضرورة أدوات فهمه بوصفه عقداً اجتماعياً تتساوى في ظله الكرامة والحقوق؛ ونطالبه باحترام الآخر، دون أن ندرّبه بما يكفي على الاختلاف معه دون تخوينه، أو نقده دون إقصائه، أو منافسته دون إنكار حقه في الوجود.
وهنا تكمن خطورة المسألة: فالوطن الذي لا يتعلم أبناؤه كيف يتسع للاختلاف، سيظلّ معلقاً بين حدود الجغرافيا وضيق النفوس. وليس الوطن، في جوهره، خريطةً تُعلّق على جدار الفصل، ولا نشيداً يُردَّد في طابور الصباح، ولا عبارةً إنشائية تُحفظ لاستكمال درجات الامتحان؛ إنّه ممارسة يومية للعدل، واعتراف متبادل بالكرامة، واستعداد لتحمّل المسؤولية العامة، حتى حين تتعارض المصلحة الوطنية مع الهوى الشخصي أو الولاء الضيق.
إلى وزارة التربية السودانية، السؤال ليس إدارياً فحسب، بل سياسي وأخلاقي بامتياز: هل نريد تعليماً يُحسن إعداد الطلاب لاجتياز الامتحانات، أم تربيةً تُحسن إعداد المواطنين لمواجهة الحياة، وصيانة الدولة، وبناء السلام؟ وهل نملك الشجاعة لمراجعة مناهجنا وفق حاجات السودان الحقيقية، لا وفق تقاليد التلقين الموروثة، ولا وفق تصورات ترى في الطالب وعاءً للحفظ، لا إنساناً قادراً على التفكير والنقد والمشاركة؟
إنّ السودان، بما شهده من انقسامات وصراعات وتآكل في الثقة بين مكوّناته، أحوج ما يكون إلى تعليم يؤسس للمواطنة الجامعة، ويحرّر الهوية الوطنية من احتكار الجماعات، ويجعل الاختلاف مصدراً للثراء لا ذريعةً للعداء. فالدولة لا تُبنى بالنصوص الدستورية وحدها إذا ظلّ الوعي الشعبي عاجزاً عن استيعاب روحها، ولا يحميها القانون وحده إذا لم تتأسس في النفوس قناعةٌ بضرورته وعدالته.
وحين تغيب المواطنة عن الفصل الدراسي، تضطر الدولة إلى البحث عنها في الشارع، وقد لا تجد هناك سوى نتائج سنواتٍ من الإهمال التربوي. وحين تفشل المدرسة في تعليم الإنسان كيف يكون مواطناً، تتولى الحياة تعليمه بطريقتها القاسية، وقد تكون كلفة الدرس هذه المرة وطناً ممزقاً، لا درجةً ناقصة في شهادة.. فالوطن يبدأ من الفصل الدراسي، قبل أن يصل إلى قاعات الحكم وميادين الصراع. والسؤال الذي ينبغي أن يقلق كل مسؤول عن التعليم ليس: كم صفحةً حفظ أبناؤنا؟ بل: أيُّ إنسانٍ نصنع منهم، وأيُّ وطنٍ يمكن أن يبنوه؟ فالمناهج التي لا تصنع وعياً بالمواطنة قد تُخرّج متعلمين كثيرين، لكنها تترك الوطن يبحث، في كل جيل، عن مواطنيه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.