في حكومة كامل إدريس، لا يبدو أن القرارات تُتخذ لحل الأزمات، بل لصناعة أزمات جديدة، متعددة الأذرع، ثم تشكيل لجان لاكتشاف ما اكتشفه الناس منذ اليوم الأول!
قبل ستة أشهر، صدر قرار حظر 46 سلعة، بينها سلع غذائية، فارتفعت أصوات كتّاب الأعمدة والمتخصصين في الاقتصاد محذرةً من العواقب. لكن يبدو أن الحكومة لا تقرأ التحذيرات إلا بعد أن تتحول إلى فواتير باهظة يدفعها المواطن من قوته اليومي.
وبعد ستة أشهر كاملة، اكتشف مجلس السيادة أن القرار كارثي، وأنه لم يعالج أزمة النقد الأجنبي، بعدما استُنزفت الاحتياطيات في تمويل واردات البترول والقمح والسكر، في منظومة انتهى دعمها عملياً إلى خدمة فواتير المستوردين، لا تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين.
ستة أشهر احتاجتها الدولة لتكتشف أن حظر السلع لا يخلق دولاراً، ولا يعيد درهماً، ولا يملأ جوال دقيق فارغاً! ستة أشهر من المكابرة، وكأن الاقتصاد السوداني مختبر تجارب، والمواطن هو فأر التجربة، والنتائج دائماً على حسابه.
والأدهى أن فتح الاستيراد المنظم للسلع الضرورية، عبر قنوات شفافة وتنافسية، كان يمكن أن يخفف الاختناقات ويحد من الاحتكار، بدلاً من ترك السوق رهينة للندرة والمضاربة. أما الحديث عن استيراد الدقيق من مصر والبترول من روسيا مقابل الذهب، فليس وصفة سحرية لانهيار الدولار والدرهم أمام الجنيه؛ إنه خيار يحتاج إلى حسابات دقيقة للتكلفة والعائد وسعر الصرف، لا إلى الأمنيات الاقتصادية.
المشكلة ليست في قرار حظر فاشل فحسب، بل في عقلية الحكم التي تتعامل مع الاقتصاد بمنطق التجريب، ومع التحذيرات بمنطق التجاهل، ومع المواطن باعتباره الطرف الوحيد الذي لا يملك حق الاعتراض على الفاتورة.
كامل إدريس لا يحتاج إلى ستة أشهر ليكتشف أخطاء قراراته؛ السودان لا يملك ترف دفع ثمنها ستة أشهر أخرى.
فحين تصبح كل خطوة حكومية مشروع كارثة متعددة الأذرع، لا يعود السؤال: لماذا فشل القرار؟ بل: كم كارثة أخرى يحتاج المسؤولون إلى ارتكابها قبل أن يتعلموا؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.