الجرتق السوداني.. طقوس الفرح التي تحفظ ذاكرة الأجيال

منوعات: عين الحقيقة

 

من البيوت العائلية إلى قاعات الأعراس، تتبدّل هيئة الطقس، فيما يبقى حضوره نافذة على المعتقد الشعبي ومكانة النساء وقدرة التراث على التكيّف مع التحوّلات الاجتماعية.

 

في مشهد مألوف من الأعراس السودانية، لا تُترك الزينة وحدها لتروي حكاية الفرح. تحضر الحريرة والبخور والأهازيج، وتتقدّم امرأة من العائلة لتباشر طقسًا يعرفه الحاضرون، وإن اختلفت علاقتهم بمعانيه.

 

تُربط الحريرة، وتُطلق التبريكات، ويصبح العروسان، للحظات، في قلب مشهد تتداخل فيه الألفة العائلية مع ذاكرة أبعد من يوم الزفاف. ذلك هو الجرتق، طقس لا تختصره قطعة زينة، ولا تفسّره صورة جميلة للعروسين. في تفاصيله الصغيرة تتجاور تصوّرات شعبية عن الحماية والبركة، وطرائق متوارثة لإعلان الفرح، ورغبة في استقبال الحياة الجديدة تحت مظلّة العائلة.

 

ولعلّ سرّ استمراره ليس ثبات صورته، بل قدرته على اكتساب معانٍ جديدة من دون أن تنقطع صلته بما سبقه.

 

تحتلّ الحريرة موقعًا بارزًا في الجرتق، إلى جانب الودع والعناصر العطرية والزينة المصاحبة، بحسب العادات المحلية والأسرية. ويظهر اللون الأحمر في كثير من صوره بوصفه ملمحًا بصريًا لافتًا، يجاور لمعان الحليّ وألوان الملابس وتجهيزات الجلوس. غير أنّ قيمة هذه الأشياء لا تأتي من مظهرها وحده. ففي المعتقد الشعبي، ارتبطت بعض عناصر الطقس بالتفاؤل ودفع العين والحسد، ولا سيما في مناسبة يُنظر إليها باعتبارها انتقالًا حاسمًا في حياة الزوجين.

 

وترد في بعض الممارسات مكوّنات مثل القرنفل والمحلب والملح والبخور؛ وهي أشياء مألوفة في محيط البيت، يمنحها حضورها في المناسبة معنى يتجاوز استعمالها اليومي. هذه الدلالات ليست تفسيرًا واحدًا متّفقًا عليه بين جميع الأسر، كما أنّ نسبتها إلى أصل تاريخي محدّد تحتاج إلى توثيق يتجاوز الروايات المتداولة. والأدقّ النظر إلى الجرتق بوصفه موروثًا تراكمت حوله معانٍ وممارسات متنوّعة، لا طقسًا مغلقًا له صيغة واحدة أو قراءة نهائية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.