كل أجزائه لنا وطن.. حين يصبح المكان تهمة والسوداني غريباً في وطنه

 النور آدم سلمان

 

كيف تحوّل المكان الذي يهرب إليه السوداني بحثاً عن الأمان إلى تهمة تُطارده؟ وكيف أصبح الانتقال من منطقة سيطرة إلى أخرى كافياً لوضع مواطن سوداني في خانة العدو؟

في حربٍ تمزّق الأرض وتشرّد الإنسان، كان المفترض أن يتمسّك السودانيون ببعضهم أكثر، وأن يدركوا أن ما يجمعهم أكبر من خلافاتهم السياسية والعسكرية. لكن المفارقة المؤلمة أن الحرب لم تكتفِ بتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، بل بدأت ترسم حدوداً أخرى بين السودانيين أنفسهم؛ حدوداً من الشك والتخوين والاتهامات المتبادلة.

فمن يأتي من مناطق سيطرة الدعم السريع إلى مناطق سيطرة الجيش قد يُوصم بأنه «فلولي» أو من أنصار «دولة 56»، ومن يأتي من مناطق سيطرة الجيش إلى مناطق سيطرة الدعم السريع قد يُتهم بأنه «جنجويدي». وفي الحالتين، قد يجد المواطن نفسه مطالباً بإثبات براءته من انتماء لم يختره، لمجرد أنه عاش في المكان الخطأ، وفق حسابات الحرب وأطرافها.

هنا تكمن المأساة الحقيقية: لم يعد السوداني يخشى الرصاص وحده، بل بات يخشى أيضاً أن يُحاكم على عنوانه، وأن يصبح المكان الذي نزح منه دليلاً ضده، بدلاً من أن يكون سبباً للتعاطف معه.

فهل يُعقل أن تتحول الجغرافيا إلى معيار للولاء، وأن يصبح المواطن متهماً بسبب المنطقة التي جاء منها؟ وهل يمكن أن نتحدث عن وطن واحد بينما يُعامل بعض أبنائه كغرباء في وطنهم، وتُختزل هويتهم في اتهام سياسي أو عسكري؟

إن أخطر ما قد تخلّفه هذه الحرب ليس الدمار المادي وحده، بل أن تنجح في تفكيك الثقة بين السودانيين، وتحويل خطوط السيطرة العسكرية إلى حواجز اجتماعية ونفسية يصعب تجاوزها حتى بعد توقف القتال.

كل أجزائه لنا وطن.. فهل نحمي هذه الحقيقة، أم نسمح للحرب بأن تجعل السوداني غريباً عن أخيه، والمكان تهمة، والانتماء جريمة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.