(اختانا).. عندما تصل الأزمة قمتها: رحيل البرهان مسألة وقت..

حين تصل الدول إلى حافة الهاوية، وتتكدس جثث الأزمات فوق بعضها بعضاً حتى تبلغ القلوب الحناجر، تختزل لغة الشارع العفية كل تعقيدات السياسة وجنون السلطة في كلمة واحدة قاطعة: “اختانا”. هذه الكلمة البسيطة في مبناها، العميقة في دلالتها، لم تعد مجرد شعار يرفعه الشباب في أحياء الموت والنزوح، بل أصبحت إعلان وفاة سياسي لكل حقبة الوصاية والخراب التي يقودها الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومن خلفه فلول النظام البائد وتجار الحروب.
لم يعد خافياً على أحد أن الأوضاع في السودان قد تجاوزت خط الإفلاس بمراحل. فالبلد الذي كان يمنّي النفس بتحول ديمقراطي حقيقي بعد ثورة ديسمبر المجيدة، وجد نفسه رهينة لحرب عبثية أكلت الأخضر واليابس، وشردت ملايين الأسر، ووضعت العاصمة وبقية المدن تحت مقصلة الجوع وانعدام أبسط مقومات الحياة. وفي خضم هذا الجحيم المستعر، يستمر رأس السلطة في العزف على أوتار الوعود الوهمية والمناورات البائسة للحفاظ على كرسي زائل، غير باهه بأن الشارع قد حسم أمره تماماً.
إن بقاء البرهان اليوم في سدة الحكم لا يمثل سوى استدامة للأزمة وإطالة لعمر المعاناة. وكل يوم يمر تحت هذه الواجهة العسكرية المهترئة، يثبت أن الرجل وعصابته عاجزون حتى عن إدارة أزمة إنسانية، فما بالك بإدارة دولة؟ لقد تهاوت شرعية هذا النظام المترهل تماماً، وسقطت كل أوراق التوت التي كانت تستر عجزه، ليقف وجهاً لوجه أمام حقيقة مرة: إن الشارع السوداني، الذي مهر ثورته بالدماء والتضحيات، لن يقبل بإعادة تدوير الهزيمة أو قبول أشباه الحلول.
وهنا يبرز الدرس الأهم الذي يرفض الجنرالات استيعابه؛ فالديسمبريون — أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير، ولجان المقاومة، والثوار الأحرار الذين مرغوا أنف الطغيان في التراب يوم سقط البشير — بالمرصاد. إنهم لا يراقبون المشهد بصمت، بل يعيدون تنظيم الصفوف، ويصيغون استراتيجياتهم النضالية عبر حملات واعية ومباشرة مثل “اختانا”، لتأكيد حقيقة ساطعة كشمس الظهر: لا شراكة، لا مفاوضات تمسح دماء الشهداء، ولا بقاء لمن دمر البلاد.
إن رحيل البرهان لم يعد مجرد أمنية ثورية، بل أصبح حتمية تاريخية وقانوناً من قوانين الصراع؛ فالأنظمة التي تدير ظهرها لشعوبها وتتحالف مع الخراب مآلها المحتوم السقوط المذل. وحين يلفظ الشارع حاكمه، لا تفيده سندات الخارج ولا حراسة البنادق.
فليستعد البرهان ورهطه لرحيل قسري تفرضه إرادة الملايين، وليعلم الجميع أن ديسمبر التي صنعت معجزة السقوط الأول قادرة تماماً على طي صفحة العبث العسكري إلى الأبد.. و”اختانا” لمن أراد النجاة قبل أن يغرق المركب بمن فيه!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.