من التخوين والتخويف إلى التجويع والتركيع.. هل تتحول الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل السلطة وتركيزها في يد واحدة؟ لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع؛ فقد امتدت إلى معركة على الوعي، وعلى تشكيل الرأي العام، وعلى تحديد من يحق له الحديث باسم الوطن، ومن يُصنَّف عدواً أو خائناً لمجرد اختلافه في الموقف السياسي.
وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال جوهري: ما دور الحركة الإسلامية وشبكاتها السياسية والإعلامية في استمرار الحرب، وفي توجيه الخطاب العام نحو التعبئة العسكرية وتجريم الأصوات المطالبة بوقف القتال؟ إن فرضية أن الحركة الإسلامية تسعى إلى توظيف الحرب لاستعادة نفوذها السياسي والعسكري تستحق النقاش والتحقيق، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة للوقائع، وتوثيق مصادر التمويل والتوجيه، وفحص العلاقة بين الخطاب الإعلامي ومراكز اتخاذ القرار.
الإعلام ليس مجرد ناقل للحرب.. بل قد يصبح أحد ميادينها الرئيسية. فحين تتحول المنصات الإعلامية إلى غرف تعبئة، وتُقدَّم الرواية الواحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة، ويُصوَّر كل من يدعو إلى وقف الحرب أو ينتقد أداء القيادة العسكرية باعتباره خائناً أو متعاوناً مع العدو، يصبح التخوين وسيلة لإسكات النقاش العام، لا أداة للدفاع عن الوطن.
وهنا تبرز أهمية السؤال عن مصادر تمويل المنصات والأنشطة الإعلامية، والجهات التي تحدد أولويات الرسائل، ومدى استقلالية المؤسسات الإعلامية التي تتبنى خطاباً متشابهاً. فتشابه الخطاب وحده لا يكفي لإثبات وجود غرفة قيادة واحدة، لكن تتبع الأموال وشبكات المصالح والتنسيق الموثق قد يكشف طبيعة هذه العلاقات. أما سلاح التخويف، فيقوم على وضع المجتمع أمام خيارين زائفين: إما تأييد الحرب بلا تحفظ، وإما الوقوف مع العدو. وبهذا المنطق يُدفع المواطن إلى الصمت، حتى عندما تتعلق الأسئلة بأمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه.
لكن الوطن لا يُختصر في موقف عسكري، والوطنية لا تعني منح أي سلطة أو تنظيم حصانة من النقد والمساءلة. من التعبئة العسكرية إلى الضغط المعيشي، مع اتساع الأزمة الاقتصادية وتفاقم نقص الوقود والكهرباء وارتفاع الأسعار، يصبح المواطن السوداني محاصراً بين الخوف من القصف والخوف من الجوع، وبين النزوح وفقدان مصادر الدخل وانهيار الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، يبرز خطر استخدام المعاناة الاقتصادية أداةً للضغط السياسي، سواء عبر قرارات متعمدة أو عبر سياسات فاشلة أو صراع على الموارد والإمدادات. غير أن إثبات أن التجويع سياسة منظمة تستهدف إخضاع المجتمع يتطلب أدلة على القرارات والجهات المسؤولة وآليات التنفيذ؛ فليس كل ارتفاع في الأسعار أو انقطاع للكهرباء دليلاً تلقائياً على وجود خطة سياسية متعمدة. ومع ذلك، فإن النتيجة الإنسانية واحدة بالنسبة إلى المواطن الذي يفقد القدرة على توفير الغذاء والدواء والماء والكهرباء، بينما تنشغل القوى المتصارعة بحسابات السلطة والنفوذ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.