اختانا…سنوات البرهان العِجاف!! (٣) ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ الى ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦

علاء خيراوي

كيف أطاح انقلاب البرهان بإنجازات حكومة الثورة داخلياً وخارجياً؟!
■ لم يكن انقلاب عبد الفتاح البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١ مجرد استيلاء عسكري على السلطة، ولا مجرد إطاحة بحكومة مدنية يمكن استبدالها بأخرى، وإنما كان ضربة قاصمة لمسار وطني بدأ بثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨، وشرع خلال عامين فقط في انتشال السودان من ثلاثين عاماً من العزلة الدولية والخراب المؤسسي والاستبداد السياسي. ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن البرهان لم ينقلب على حكومة عاجزة عن تحقيق أي اختراق، وإنما على حكومة قد حققت إنجازات سياسية ودبلوماسية ومالية عجز نظام البشير عن تحقيقها طوال ثلاثة عقود. كانت حكومة الثورة قد بدأت في إعادة السودان تدريجياً إلى المجتمع الدولي، فتحت أمامه أبواب التمويل والإعفاء من الديون، وأسست لإصلاح القوانين والمؤسسات، وإعادة الاعتبار للحريات العامة، بينما كان البرهان شريكاً في السلطة الانتقالية نفسها، قبل أن ينقلب عليها ويقوض مسارها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نضعه أمام الرجل ليس فقط لماذا انقلبت على الحكومة، وإنما؛ بأي حق أهدرت ما انتزعه الشعب السوداني بثورته وتضحياته من فرص تاريخية للخروج من قبضة الاستبداد والعزلة والفقر؟

■ ولنبدأ بالإنجاز الذي ربما كان الأعظم على صعيد العلاقات الدولية؛ ففي الرابع عشر من ديسمبر ٢٠٢٠، خرج السودان رسمياً من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، بعد ما يقارب سبعة وعشرين عاماً من الإدراج الذي بدأ عام ١٩٩٣. لم يكن ذلك مجرد قرار إداري صادر عن واشنطن، بل تحولاً سياسياً واقتصادياً بالغ الأهمية، فتح الطريق أمام تطبيع العلاقات المالية والدبلوماسية، وتخفيف القيود التي أعاقت اندماج السودان في النظام المالي العالمي. وقد أشادت وزارة الخزانة الأمريكية يومها بجهود حكومة عبد الله حمدوك ومجلس السيادة والشعب السوداني في الوصول إلى تلك النتيجة. والأهم أن رفع اسم السودان من القائمة لم يكن حدثاً منفصلاً عن بقية إنجازات المرحلة الانتقالية، بل كان خطوة أساسية في استعادة الثقة الدولية ببلد ظل معزولاً لعقود. ثم جاء انقلاب البرهان ليضرب هذه الثقة في مقتل، ويعيد السودان إلى دائرة الضغوط والعزلة السياسية والمالية. صحيح أن الولايات المتحدة لم تُعد السودان تلقائياً إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب بسبب الانقلاب، لكن الفارق بين الخروج من القائمة واستعادة الثقة الدولية الكاملة هو الفارق نفسه بين فتح الباب أمام السودان ثم إغلاق الطريق الذي كان يسير فيه نحو المستقبل. وفي الاقتصاد الدولي، تكشف الوثائق عن خسارة سياسية واستراتيجية يصعب تقدير آثارها على الأجيال المقبلة. ففي السادس والعشرين من مارس ٢٠٢١، أعلن البنك الدولي أن السودان نجح في تسوية متأخراته للمؤسسة الدولية للتنمية، ليستعيد علاقته التمويلية الكاملة مع مجموعة البنك الدولي بعد انقطاع استمر نحو ثلاثين عاماً، ويفتح الباب أمام الحصول على نحو ملياري دولار من المنح المخصصة لمكافحة الفقر ودعم التعافي الاقتصادي. وفي التاسع والعشرين من يونيو من العام نفسه، وصل السودان إلى نقطة القرار في مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، المعروفة باسم “هيبك”، التي كانت تستهدف خفض القيمة الحالية لديونه الخارجية من نحو ٥٦ مليار دولار إلى ٦ مليارات دولار عند استكمال جميع مراحل المبادرة ومشاركة الدائنين. أي أننا نتحدث عن مسار كان يستهدف تخفيف عبء الدين بنحو ٨٩٪، وليس عن وعود إعلامية أطلقتها حكومة حمدوك لتجميل صورتها. فلقد كانت اتفاقات ومسارات مالية موثقة لدى أكبر المؤسسات الدولية، وكان السودان يتقدم فيها قبل أن يقرر البرهان أن بقاء السلطة العسكرية أهم من استكمال فرصة اقتصادية انتظرها السودانيون عقوداً. ولم تقف الإنجازات عند البنك الدولي وصندوق النقد؛ ففي الخامس عشر من يوليو ٢٠٢١، توصل السودان إلى اتفاق تاريخي مع نادي باريس لمعالجة ديونه للدول الدائنة الأعضاء، شمل إلغاء نحو ١٤٫١ مليار دولار من الديون، وإعادة جدولة نحو ٩٫٤ مليارات دولار أخرى، مع ربط مراحل إضافية من المعالجة باستكمال برنامج الإصلاح والوصول إلى نقطة الإنجاز النهائية في مبادرة إعفاء الديون. وكان من المتوقع آنذاك أن يبلغ السودان تلك النقطة بحلول يونيو ٢٠٢٤ أو قبل ذلك. ولنتأمل المفارقة؛ حكومة الثورة، المحاصرة بأزمات اقتصادية موروثة وتطلعات شعبية هائلة، استطاعت خلال عامين الوصول إلى تفاهمات تاريخية مع الدائنين، بينما جاء الانقلاب ليقطع استمرارية البرنامج الذي قامت عليه تلك الإنجازات. وهنا يجب التفريق بين إلغاء ديون أُقر بالفعل وبين إعفاءات مستقبلية كانت مشروطة بإكمال المسار؛ فالانقلاب لم يُلغِ تلقائياً كل ما تحقق قانونياً، لكنه عطل الطريق المؤسسي والسياسي الذي كان ضرورياً لاستكمال العملية. أليس من حق السودانيين أن يسألوا البرهان عن المسؤولية السياسية عن تعطيل مسار بهذا الحجم؟ وكيف يمكن لمن يزعم أنه يحمي الاقتصاد الوطني أن يطيح بالحكومة التي كانت تعيد دمج السودان في المؤسسات المالية الدولية؟ والأرقام الأكثر إدانة جاءت بعد الانقلاب مباشرة، فلم يحتج العالم إلى سنوات حتى يعلن موقفه من تقويض الانتقال المدني. ففي الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١، أعلنت الولايات المتحدة تعليق تقديم ٧٠٠ مليون دولار من أموال الدعم الاقتصادي الطارئ المخصصة لمساندة الانتقال الديمقراطي. وبعد يومين فقط، أعلن البنك الدولي وقف الصرف في جميع عملياته بالسودان وتعليق إعداد المشروعات الجديدة. وهنا لا نتحدث عن تحليل سياسي يحتمل الاختلاف، وإنما عن قرارات رسمية ترتبط زمنياً وسببياً بالاستيلاء العسكري على السلطة. وكان من بين المشروعات التي أصابها التوقف برنامج دعم الأسر السودانية “ثمرات”، الذي استهدف حماية ملايين المواطنين من الآثار القاسية للإصلاحات الاقتصادية. ووفق البنك الدولي، كان البرنامج قد سجل ٩٫٣ ملايين شخص، تلقى منهم ٤٫٧ ملايين مدفوعات خلال أقل من ستة أشهر قبل توقفه. أي أن الانقلاب لم يعطل العلاقة مع المانحين فحسب، بل امتدت آثاره المباشرة إلى برنامج للحماية الاجتماعية كان قد بدأ الوصول إلى ملايين الأسر. فأي مفارقة أقسى من أن يرفع الانقلابيون شعار إنقاذ الشعب، بينما تتوقف بسبب انقلابهم برامج أُنشئت أصلاً لمساعدته على تحمل أعباء الحياة؟ وكذلك، من الإنجازات الاقتصادية التي لا يجوز أن تسقط من ذاكرة الثورة تجربة “محفظة السلع الاستراتيجية”، التي أطلقتها الحكومة الانتقالية عام ٢٠٢٠، وكان من أبرز مهندسيها والقائمين على إدارتها الخبير الاقتصادي الراحل عبد اللطيف عثمان محمد صالح، رئيس لجنتها التنفيذية، الذي رحل عن دنيانا تاركاً وراءه تجربة وطنية جديرة بالتوثيق والإنصاف. فقد ابتكرت المحفظة آلية لتمويل استيراد الوقود والقمح والدواء، تقوم على توظيف حصائل الصادرات والتسهيلات المصرفية الخارجية، دون الاعتماد على شراء الدولار من السوق الموازي. وفي يونيو ٢٠٢١، أعلن عبد اللطيف أن المحفظة أسهمت خلال ستة أشهر في توفير نحو ٨٠٠ مليون دولار لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية، وتأمين خمسين سفينة من المحروقات، وهي أرقام تستند إلى تصريحاته المنشورة آنذاك. ولم تكن التجربة خالية من التحديات أو الانتقادات، لكنها قدمت نموذجاً لمحاولة معالجة أزمات البلاد بأدوات التمويل والإدارة بدلاً من الحلول الأمنية. ثم جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، ليشهد المشروع في يناير ٢٠٢٢ حل لجنته التنفيذية، وفق ما وثقه عبد اللطيف نفسه في دراسته المنشورة لاحقاً، قبل أن تتفاقم أزماته التمويلية في السنوات التالية. وهنا تتجلى إحدى مفارقات سنوات البرهان العجاف؛ فبينما كان السودانيون يبحثون عن مؤسسات قادرة على ابتكار حلول لأزماتهم، تعرضت تجربة اقتصادية واعدة للاهتزاز وسط الاضطراب السياسي والمؤسسي الذي أعقب الانقلاب.

■ وعلى الصعيد الداخلي، كانت حكومة الثورة قد بدأت، رغم التعقيدات والمقاومة الشرسة من شبكات النظام القديم، عملية إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن. ففي نوفمبر ٢٠١٩ أُلغي قانون النظام العام الذي استخدمه نظام الإنقاذ أداة للتضييق على الحريات، ولا سيما حرية النساء في الملبس والسلوك والحياة العامة. وفي يوليو ٢٠٢٠ أُدخلت تعديلات قانونية مهمة، شملت تجريم ختان الإناث، وإلغاء تجريم الردة، وإصلاح بعض النصوص العقابية التي استخدمت في القمع والتمييز. ولم تكن هذه الإصلاحات كافية لبناء دولة الحقوق والحريات، كما لم تُستكمل خلالها جميع المؤسسات الدستورية المطلوبة، لكنها مثلت انتقالاً مهماً من دولة تفرض وصايتها الأيديولوجية على المجتمع إلى مشروع دولة يفترض أن تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. ثم جاء الانقلاب ليعيد أجهزة الأمن والعسكر إلى مقدمة المشهد السياسي، ويقوض البيئة التي كان يمكن أن تستكمل فيها تلك الإصلاحات. فلم يكن ما فُقد مجرد مجلس وزراء أو مناصب سياسية، بل فرصة تاريخية لإخضاع مؤسسات الدولة للقانون بدلاً من إخضاع المجتمع لإرادة السلطة. وكانت العدالة الانتقالية وتفكيك دولة التمكين من أبرز المعارك التي بدأت بعد سقوط نظام البشير. فقد شرعت السلطة الانتقالية في إجراءات لاستعادة أصول ومؤسسات اعتُبرت مرتبطة بشبكات النظام السابق، وإبعاد عناصر من مواقع النفوذ، وفتح ملفات الانتهاكات والفساد، كما اتخذت خطوات للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتكبة في دارفور. وصحيح أن إجراءات إزالة التمكين أثارت اعتراضات بشأن ضمانات العدالة والإجراءات القانونية، وأن التحقيق في مجزرة فض الاعتصام تأخر، وأن الحكومة المدنية لم تنجح في استكمال جميع مؤسسات العدالة، لكن الانقلاب لم يعالج تلك النواقص عبر إصلاح المؤسسات، وإنما أعاد تشكيل ميزان السلطة لمصلحة القوات العسكرية وشبكات نفوذ النظام السابق. وقد شهدت المرحلة اللاحقة إلغاء قرارات تتعلق بمصادرة أصول وإعادة عناصر إلى الخدمة العامة، في وقت تراجع فيه مشروع إخضاع الأجهزة الأمنية والعسكرية لرقابة مدنية فعالة. وهكذا تعثرت فرصة الانتقال من دولة الحصانات والولاءات إلى دولة المؤسسات والمساءلة، وعاد سؤال العدالة الذي أشعل الثورة ليصبح أكثر تعقيداً مع اندلاع الحرب والانتهاكات الواسعة التي أعقبتها.
أما السلام، فقد شهدت المرحلة الانتقالية توقيع اتفاق جوبا في الثالث من أكتوبر ٢٠٢٠ مع عدد من الحركات المسلحة، في محاولة لإنهاء نزاعات طويلة وإشراك ممثلين لمناطق عانت التهميش والحرب في مؤسسات الحكم المركزي. ولم يكن الاتفاق شاملاً لجميع الحركات، ولم ينجح في إنهاء العنف في دارفور أو معالجة جذور النزاعات، لكنه كان يمثل مساراً سياسياً يستند إلى التفاوض وتقاسم السلطة والترتيبات الأمنية بدلاً من الاحتكام الدائم للسلاح. كما شهدت المرحلة الانتقالية انفتاحاً أوسع على المؤسسات الدولية المعنية بالسلام وحقوق الإنسان، وتقدماً في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. وجاء انقلاب أكتوبر ليزيد اضطراب الشراكة السياسية، ويؤجل الإصلاح الأمني والعسكري، ثم انفجرت الحرب في أبريل ٢٠٢٣ بين القوات المسلحة والدعم السريع، وهما القوتان اللتان شاركتا في الانقلاب. ولا يجوز الادعاء بأن اتفاق جوبا كان سيمنع الحرب حتماً لو استمر الانتقال، لكن من المشروع أن نسأل: ماذا كان يمكن أن يحققه السودان لو استمرت عملية الإصلاح والتفاوض تحت سلطة مدنية، بدلاً من أن يتحول الصراع بين مراكز القوة العسكرية إلى حرب تبتلع الدولة نفسها؟

■ وعلى مستوى المكانة الإقليمية والدولية، كانت حكومة الثورة تستعيد للسودان اعترافاً افتقده طويلاً بوصفه دولة تسير نحو انتقال مدني وديمقراطي. فقد أُعيد تنشيط العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وعاد السودان إلى التعامل مع مؤسسات التمويل الدولية، ووجد دعماً سياسياً ومالياً لمسار التحول. ولم تكن القوى الدولية تتحرك بدافع المحبة المجردة للسودانيين، بل وفق مصالحها وحساباتها، غير أن الدبلوماسية السودانية استطاعت آنذاك توظيف مساحة التقاطع بين تلك المصالح ومشروع الانتقال المدني لتحقيق مكاسب ملموسة. ثم جاء الانقلاب ليبدد جانباً كبيراً من الرصيد السياسي الذي تراكم خلال عامين، فأعلن مجلس السلم والأمن الأفريقي تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الأفريقي حتى استعادة السلطة الانتقالية بقيادة مدنية، وتعرضت العلاقة مع الشركاء الدوليين لانتكاسة عميقة. وهنا تتضح المسافة بين دبلوماسية كانت تسعى لاستعادة مكانة الدولة، وحكم عسكري أصبح مضطراً إلى إدارة أزمات الشرعية والاعتراف والتمويل. فالسيادة الوطنية لا تقوى بمجرد أن يتحدث الجنرال باسمها، بل تتعزز عندما تمتلك الدولة مؤسسات تحظى بثقة مواطنيها واحترام شركائها.
انجز كل ذلك على الرغم من ان حكومة الثورة كانت تعمل في ظل شراكة شديدة الاختلال، احتفظ فيها العسكريون بأدوات القوة التي عملت على تعطيل كثير من مشاريع الانتقال. وهنا نصل إلى جوهر الحساب السياسي والتاريخي. لقد تسلم البرهان، عشية انقلابه، دولة خرجت من القائمة الأمريكية للإرهاب، واستعادت صلاتها بالبنك الدولي وصندوق النقد، وبلغت نقطة القرار في مبادرة إعفاء الديون، وأبرمت اتفاقاً لمعالجة ديون نادي باريس، وبدأت تنفيذ برنامج للحماية الاجتماعية وصل بالفعل إلى ملايين المواطنين، وشرعت في إصلاح القوانين، وتوسيع الحريات، وملاحقة شبكات التمكين، واستعادة مكانتها الدبلوماسية. لم تكن دولة مستقرة أو مزدهرة، لكنها كانت تمتلك مساراً سياسياً واقتصادياً واضح المعالم وفرصة تاريخية للتعافي. ثم جاء الانقلاب، فتوقفت تمويلات دولية، وتعطل استكمال برامج إصلاحية، وتراجعت الشراكة المدنية العسكرية إلى مواجهة مفتوحة، وانتهت البلاد بعد أقل من عامين إلى حرب كارثية بين شركاء الانقلاب أنفسهم. ومن هنا فإن مسؤولية البرهان لا تقتصر على ما فعله في يوم الخامس والعشرين من أكتوبر، وإنما تمتد إلى النتائج السياسية المباشرة لقراره، وإلى مساءلته عن دوره اللاحق في إدارة السلطة والحرب. أما مسؤولية حميدتي والدعم السريع عن الانقلاب والحرب والانتهاكات، فهي مسؤولية موازية لا تنتقص من وجوب مساءلة البرهان.

■ إن أكثر ما يؤلم في هذه الحصيلة ليس أن حكومة الثورة سقطت، فالحكومات تأتي وتذهب، وإنما أن السودان خسر فرصة نادرة للانتقال من دولة الانقلابات والحروب إلى دولة المؤسسات والقانون، ومن العزلة الدولية إلى التعاون الاقتصادي، ومن اقتصاد الديون والمتأخرات إلى مسار كان يتيح تخفيف أعبائها واستعادة التمويل، ومن الوصاية الأمنية إلى مشروع حكم مدني كان يمكن للشعب أن يطوره ويصحح أخطاءه. لقد كانت حكومة الثورة تقاتل على جبهات الإصلاح والديون والحريات والدبلوماسية، بينما حسم البرهان صراعه معها بالبندقية التي كان يفترض أن تحمي الانتقال لا أن تنقلب عليه. وهنا يبرز السؤال الذي لا تستطيع خطب الكرامة ولا ضجيج الانتصارات العسكرية أن يطمساه؛ ماذا كان سيصبح عليه السودان اليوم لو أن البرهان احترم الوثيقة الدستورية، وسلم السلطة وفق ترتيباتها، وترك السودانيين يواصلون تجربتهم المدنية بدلاً من مصادرتها؟ لا أحد يستطيع الجزم بالمستقبل الذي لم يحدث، لكننا نستطيع توثيق الفرص التي كانت قائمة، والقرارات التي أوقفتها، والثمن الذي دفعه الشعب بعد ذلك. وتلك هي المأساة الكبرى في سنوات البرهان العجاف؛ أنها لم تبدد فقط ما امتلكه السودان من موارد ومؤسسات، وإنما بددت أيضاً فرصته في أن يصبح وطناً يحكمه أبناؤه بإرادتهم الحرة، لا بلداً يظل مستقبله رهينة لبنادق جنرالاته.

المصادر والمراجع؛ استند المقال إلى الوثائق والتقارير الرسمية الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بشأن استئناف التمويل الدولي ومبادرة إعفاء الديون “هيبك” وبرنامج دعم الأسر “ثمرات”، وبيانات نادي باريس الصادرة في يوليو ٢٠٢١ بشأن معالجة ديون السودان، وبيانات وزارة الخارجية والخزانة الأمريكيتين المتعلقة برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتعليق المساعدات عقب انقلاب أكتوبر ٢٠٢١، وقرارات مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي بشأن تعليق مشاركة السودان، ودراسة الخبير الاقتصادي عبد اللطيف عثمان الصادرة عن المرصد السوداني للشفافية والسياسات في نوفمبر ٢٠٢٤، وتصريحاته المنشورة عبر وكالة السودان للأنباء في يونيو ٢٠٢١، والتقارير الصحفية المعاصرة لعمل المحفظة. إضافة إلى تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة REDRESS حول الإصلاحات القانونية والحريات والعدالة الانتقالية، ووثائق اتفاق جوبا للسلام لعام ٢٠٢٠، وتقارير وكالة رويترز بشأن التراجع عن إجراءات تفكيك التمكين وإعادة عناصر النظام السابق إلى مؤسسات الدولة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.