الإمارات تنصف الشعب السوداني الذي قتله سلاح جيشه

يوسف عزالدين

في خطوة تاريخية أنصفت الضحايا وأكدت أن دم السوداني ليس رخيصاً.
قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية بالسجن المؤبد على قادة الحرب في السودان، ياسر العطا وصلاح قوش، وهما شخصيتان نافذتان تديران الدولة والحرب، في قضية صفقات السلاح المشبوهة التي كانت تُدار من داخل الأراضي الإماراتية.
هذا الحكم ليس مجرد حكم قضائي ضد تجار سلاح، بل هو إدانة واضحة لمشروع عسكرة السودان وقتل شعبه بسلاح يُشترى بدمه.
لقد كشفت حيثيات المحكمة، التي نقلتها وكالة «وام» الرسمية، أن هؤلاء الجنرالات حوّلوا الإمارات إلى منصة لتمويل آلة القتل في السودان.
صفقتان لتوريد أسلحة وذخائر وعتاد عسكري إلى بورتسودان، نُفذتا عبر شركات وهمية وتحويلات مصرفية ومدفوعات نقدية بملايين الدراهم، دون أي تراخيص، وبطريقة ملتوية تكشف حجم الجريمة.
الأخطر أن المتهمين، الذين يظهرون في الإعلام مدّعين الوطنية، هم من طلبوا بأنفسهم شراء الأسلحة واتخذوا إجراءات هبوط الطائرات في مطار بورتسودان، وهم يعلمون أن الصفقة غير قانونية. وكانوا يخططون لإدخال ذخائر «جيرانوف» الفتاكة إلى بورتسودان على أنها «أدوات ومستلزمات طبية».
أي مستوى من الخداع والكذب هذا؟ يزعمون أنهم يحاربون من أجل الشعب، بينما يهرّبون السلاح على أنه دواء.
أما المسؤول المالي عن صفقات التسليح، فقد كان يسلّم الأموال عبر نظام «الحوالة دار» السري، في واحدة من أكبر عمليات غسل الأموال المرتبطة بالحرب السودانية، حيث سُلّم نحو ثمانية ملايين درهم نقداً في صفقة واحدة فقط.
وجود اسم مدير جهاز الأمن السابق في القائمة يفسر الكثير. فالرجل الذي حكم السودان بالحديد والنار لعقود لا يزال يدير شبكات السلاح والعمولات من الخارج.
وحكمت المحكمة بأن مدير مكتبه السابق تسلّم العمولة الخاصة بالمعني من إحدى الصفقات.
إنها مافيا متكاملة تتاجر بدماء السودانيين.
ما فعلته الإمارات اليوم هو أنها قالت للعالم وللشعب السوداني: لن نسمح باستخدام أراضينا ونظامنا المالي لقتل السودانيين.
وقالت المحكمة بوضوح إن صفقات التسليح هذه ارتبطت بالنزاع المسلح الدائر في السودان، وإن استخدام الأراضي الإماراتية عرّض مصالح الدولة للخطر.
هذا هو الفرق بين دولة تحترم القانون ودولة يحكمها جنرالات الحرب. فالإمارات، التي اتهمها إعلام الجيش زوراً بأنها تدعم المليشيا، هي نفسها التي تحاكم اليوم تجار سلاح الجيش نفسه وتودعهم السجن المؤبد، لأنها دولة قانون لا تقبل بتجارة الموت على أراضيها.
شمل الحكم أيضاً الحبس ثلاث سنوات وغرامة مليون درهم لكل متهم في شق غسل الأموال، ومصادرة 1.545 مليون درهم، وتغريم ست شركات مليون درهم لكل شركة وإلغاء تراخيصها. أي إن العدالة طالت كل سلسلة الإمداد.
إن الشعب السوداني، الذي قُتل وهُجّر وجُوّع بسبب إصرار جنرالات بورتسودان على استمرار الحرب ورفضهم للسلام، وجد اليوم من ينصفه. فبينما كان جيشه يشتري السلاح ليقتله به، جاء القضاء الإماراتي ليقطع يد السلاح ويحكم بالمؤبد على من كان يظن نفسه فوق القانون.
هذا الحكم هو رسالة لكل تجار الحرب في بورتسودان: زمن الإفلات من العقاب انتهى، والشعب السوداني لن يبقى وحيداً؛ فهناك من ينصف عدالته حتى لو خذله جيشه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.