قيل: «سُبُلُ الوُصولِ إليه بِعَدَدِ أَنْفاسِ خَلَقِهِ»؟!

الجميل الفاضل

قيل: «سُبُلُ الوُصولِ إليه بِعَدَدِ أَنْفاسِ خَلَقِهِ»؟بين نَفَسِ البداية ونَفَسِ المآل، يمضي الإنسان في فَلَواتِ الوجود، كأنما يحمل في صدره طريقًا لا يعرفه سواه؛ تتقاذفه حيرةُ السؤال، وتستدعيه ومضاتُ اليقين، فيما تتشعب أمامه الدروب على اتساع ما أودع الله في الأرواح من أسرار.

ولعل في القول إن «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق» إشارةً إلى سرٍّ لا ينفد، يقول: إن لكل روح نافذتها، ولكل قلب لغته، ولكل إنسان قصته التي لا تتكرر بالضرورة في آخر.

فلا بصمةَ روحٍ تشبه بصمةَ روحٍ أخرى، ولا كلُّ انكسارٍ يفضي إلى النور بالطريقة ذاتها التي التمس منها آخرُ قبسَ ضياء.

فمنهم من يبلغ هذا الطريق بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض، ومنهم من توقظه رجفةُ الاضطرار حين تنقطع عنه الأسباب، ومنهم من تفتح له العناية أبوابَ الإحسان على مصراعيها، ومنهم من لا يرى النور إلا من بين فَرَجاتِ المِحَن.

كأنما تتعدد المداخل بقدر ما تتعدد الأنفاس أيضًا، فيما يظل الباب الذي يطرقونه واحدًا، والوجهة التي يقصدونها هي في النهاية واحدة كذلك.

لكن أيَّ سرٍّ هذا الذي يجعل العجزَ أحيانًا أوسعَ أبوابِ القدرة، والانكسارَ أقربَ مسالكِ الوصل؟

إذ حين تضيق الأرض بما رحبت، وتتساقط من يد الإنسان أوهامٌ كثيرة ظنها يومًا مفاتيح، تنكشف له هشاشةُ ما اتكأ عليه من أسباب، لتنبثق من قلب اضطراره ذلك معرفةٌ أخرى؛ لا تأتي من فائض القوة، لكن من نفاد الحيل وتبددها: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.

في مثل هذه اللحظة، لا يعود الاضطرار مجردَ محنة، بل يصبح عبرة؛ تسقط أوراقُ الاستغناء، ليعرف الإنسان حينها أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا حين تكفُّ بعض الأيدي عن محاولة طرقها.

وبالطبع ليس كل الناس مطالبين بعبور مثل هذا المَعبر نفسه؛ وبالتالي فإن تفاوت الاستعداد لا يُعد عيبًا في الخلق، ولا اختلاف التجارب يغدو خللًا في هندسة الوجود.

عمومًا، فلكل إنسان مقامه في الابتلاء، ومدخله إلى المعرفة، ونصيبه من التجلّي.

ومن فقه بصمته الروحية الخاصة، كفّ عن استعارة خطوات الآخرين، وأدرك أن الطريق لا يُقاس بما قطعه سواه، إنما بما أيقظه الله في داخله هو نفسه.

ومن عجيب هذا الطريق أن الإنسان، مهما ظن أنه يفرّ، لا يغادر دائرة القدر؛ يهرب من خوف إلى أمن، ومن عسر إلى يسر، ومن بلاء إلى عافية، فإذا به ينتقل في الحقيقة من قدر إلى قدر، لا يخرج ولو لبرهة صغيرة عن سلطان المهيمن الجبار.

وهنا تبرق في ذهني كلمة عمر بن الخطاب كأنها مفتاح من مفاتيح فهم نوع هذا الحال: «نفرّ من قدر الله إلى قدر الله».

وللحقيقة، ليس الفرار نفيًا للقدر، إنما هو حركة تجري في داخله؛ كما أن التوكل لا يعني أن يستسلم المرء تمامًا للعجز، لكن أن يأخذ بالأسباب وهو يعلم أن هذه الأسباب نفسها لا تملك مصيرها.

ومن هنا تتسع عبارة قرآنية واحدة لاحتواء سرّ هذا المسير المقلق، تقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.

يا لها من مفارقة! أن يكون الفرار من أقضية الله إلي حماه، وأن تكون النجاة من أقداره بالرجوع إليه وبالارتماء في أحضانه سبحانه، ليظل الإنسان، في كل ما يختار وما يُختار له، محاطًا بقدر لا يخرج عنه، ورحمة لا ينقطع رجاؤه وأمله فيها.

وهكذا، حين تتعدد السبل وتتشعب المسالك، لا يكون التعدد تعددًا في المقصود بحد ذاته، إنما هو تعدد في سبل الوصول أو الرجوع إليه.

هكذا يمضي الناس مختلفين في خطاهم، متباينين في مكابداتهم، حتى إذا أُميط لثام الرحلة، وقف كلٌّ منهم أمام الحقيقة عاريًا من دعاوى الطريق، لا يحمل إلا ما صار إليه مآله.

﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.

فيا أيها العابر على دروب الحيرة، لا تستعرْ خطى أحد، ولا تزنْ رحلتك بمسافة ومقاس رحلة غيرك.

أنصتْ إلى كل ما يوقظه الوجود فيك، وتأملْ موضع انكسارك، واقرأ ما تخبئه محنتك من أبواب.

فلعل الطريق الذي طالما حسبته عثرة، كان هو الطريق؛ ولعل الباب الذي لم يُفتح لك، كان يحرسك من وجهة ليست لك.

فسبل الوصول كما قيل بعدد أنفاس الخلائق.. وما كلُّ نفسٍ تعرف طريقها حين تبدأ، بل إن بعضها لا يتعرف على معالم هذا الطريق سوى بعد أن يتوقف عن ادعاء نوع هذه المعرفة، ثم يترك من بعد لقلبه أن يهتدي بنور الافتقار.

على أية حال، فإن أقرب الطرق إلى الله ليس ما اختاره الإنسان لنفسه، إنما تلك التي تقبع وراء ما بدا له حين صدق وأخلص أو حين ألح تحت الضيق في الدعاء والطلب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.