لماذا تثير مرشحة الإمارات للأمم المتحدة قلق النخب العسكرية في السودا؟*بقلم: يوسف عزالدين*لم يفهم «البلابسة» حتى الآن أن العالم قد تغيّر، وأن زمن الابتزاز باسم السيادة والصراخ في المنابر قد ولّى.. ولماذا تخشى نخب الحرب امرأة؟ لأنها تمثل نموذجاً يتعارض مع ما تروّج له أدبيات «البلابسة». إنهم يريدون أمماً متحدة على مقاسهم؛ ضعيفة، تبارك انقلاباتهم، وتغض الطرف عن فسادهم، بينما تتبنى المرشحة، وفق ما يطرحه أنصارها، رؤية لأمم متحدة قوية، تحاسب المعتدي وتحمي المدنيين.
إن ترشيح الإمارات للدبلوماسية المخضرمة لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة ليس مجرد ترشيح إماراتي، بل هو، بحسب الكاتب، ترشيح يحظى بإجماع من دول الشرق الأدنى والدول العربية. ويمثل هذا الترشيح فرصة تاريخية لشعوب المنطقة المنكوبة، وعلى رأسها الشعب السوداني، الذي أنهكته حرب عبثية لا يريد تجار الحرب أن تنتهي.
لم تعد نسيبة مجرد موظفة دبلوماسية، كما يحاول تصويرها إعلام «البلابسة»، بل كرّست جهودها لقضايا المنطقة.
هل ستنصف الشعب السوداني؟ نعم، وبكل قوة.. لأن إنصاف الشعب السوداني، وفق هذا الطرح، لا يكون بإطالة أمد الحرب، بل بإيقافها، ولا بدعم جنرالات الحرب، بل بمساندة التحول المدني. ولا يكون بقطع الكهرباء واتهام الآخرين، بل ببناء محطات جديدة.
أما الإمارات، التي تتعرض للهجوم ليل نهار، فيشير فهي قدمت أربعة مليارات دولار مساعدات للسودان منذ بداية الأزمة، وأنها تدير أكبر جسر جوي إنساني إلى تشاد لإنقاذ النازحين، في وقت ينشغل فيه «البلابسة»، بجمع تبرعات وهمية باسم الكرامة.. حتى الآن، أعلنت 24 دولة دعمها للترشيح، من الخليج إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا. وشمل الدعم مجلس التعاون الخليجي بالإجماع، ومصر والأردن والمغرب وفلسطين والسنغال والبرازيل وكوريا الجنوبية. فهل كل هؤلاء مرتشون، كما يزعم خطاب «البلابسة»؟
هل العالم كله على خطأ، وهم وحدهم على صواب؟ هذا الغرور، بحسب الكاتب، هو أحد أسباب عزلة السودان. يرى العالم في هذا الترشيح فرصة لإصلاح الأمم المتحدة، بينما يراه «البلابسة» تهديداً لمشروعهم القائم على الحرب والكراهية.
وتُعد علاقاتها بالدول المؤثرة محوراً أساسياً في قوتها الدبلوماسية. فهي تحظى باحترام واشنطن وبكين وموسكو وباريس ولندن في آن واحد، وهي قدرة على بناء التوافق لم يحققها أي مرشح آخر. وبعد ست جولات من التصويت لم تحسم المنافسة، دخلت نسيبة المشهد لتغيّر خريطة الترشيحات. وهذه القدرة على بناء التوافق قد تتيح لها الإسهام في تغيير واقع المنطقة، من مشهد مثقل بالدماء والحرب والطائرات المسيّرة التي تستهدف محطات الكهرباء، إلى بيئة سياسية ودبلوماسية أوسع، تبحث عن التنمية بدلاً من الثأر. نساء السودان اللاتي يردن وقف الحرب، وشبابه الذين يبحثون عن تأشيرة عمل بدلاً من حمل البندقية، ومزارعو الجزيرة الذين يحتاجون إلى الكهرباء والأسمدة بدلاً من الخطابات العنصرية؛ هؤلاء، في نظر الكاتب، هم القاعدة الحقيقية التي ينبغي الإصغاء إليها.
أما حكومات الظلام، التي لا تريد السلام لأنها ترى فيه تهديداً لمصالحها، فهي وحدها التي تصرخ ضدها، خشية أن يعني وصول امرأة عربية إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة نهاية شرعية سياسية قائمة على فوهة البندقية. إن حملة «NoToLana»، التي يقودها مستشار قائد الجيش، أمجد فريد، تمثل، دليلاً على حجم القلق من هذا الترشيح. فهل يعتقد رجل واحد أنه قادر على إيقاف إرادة 24 دولة ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي؟
من أنتم حتى تقولوا لا للعالم؟ أنتم لا تمثلون، وفق هذا الخطاب، إلا أنفسكم. الشعب السوداني، في أم درمان والحصاحيصا وشندي، يريد الكهرباء والمياه والدواء، ولا يجدها في ظل الأوضاع الراهنة، بل يحتاج إلى من يبني لا إلى من يهدم.
لم تكن نسيبة مرشحة الإمارات وحدها، بل مرشحة كل سوداني يحلم بدولة مدنية وسلام مستدام ودعم دولي حقيقي لإعادة الإعمار.
وهي بالضرورة؛ قادرة على إعادة ملف السودان إلى طاولة الحل السياسي، بدلاً من بقائه أسيراً لطاولة الحرب، وإثبات أن المرأة العربية قادرة على قيادة العالم، رغم خطاب الكراهية والذكورية.
24 دولة تقول نعم، وصراخكم يقول لا، والتاريخ يقول إن إرادة الشعوب هي التي تنتصر. هذه هي الحقيقة التي لا يريد «البلابسة» سماعها: لقد انتهى زمن المتاجرة بدماء الشباب، وانتهى زمن تحويل السودان إلى معتقل كبير، وانتهى زمن خطابات الكراهية التي أسهمت في تدمير النسيج الاجتماعي. العالم يتقدم، بينما لا يزال البعض يحلم بعودة بيوت الأشباح وممارسات جلد النساء في الشوارع.
نعم، تمثل نسيبة، في نظر خصوم هذا المشروع، خطراً على مصالحهم السياسية. فوصولها إلى الأمم المتحدة قد يفتح الباب أمام تحركات دولية أكثر فاعلية، تشمل المطالبة بلجنة تحقيق دولية، وفرض عقوبات محددة على مهربي الذهب وتجار الحرب، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب. ولهذا، يعلو صوت الرافضين لترشيحها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.