المساءلة القانونية للفريق أول عبد الفتاح البرهان في حال سقوط نظام بورتسودان بأكمل وجه في السودان
د. احمد التيجاني سيد احمد
ملف جنائي يتتبع تسلسلاً زمنياً بدأ منذ سقوط النظام السابق ويمتد حتى المرحلة الحالية من الحرب، حيث تقابل كل واقعة نصوص صريحة في القانون الجنائي السوداني لعام 1991 والقانون الدولي الإنساني والجنائي.
بدأ هذا المسار الجنائي بالمسؤولية القيادية عن المجازر الموجهة ضد المتظاهرين السلميين، وتمثلت أولى المحطات في مجزرة 8 رمضان ومجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019. وتندرج هذه الجرائم وطعن الاتفاق الأول مع المدنيين تحت طائلة المواد (186) “الجرائم ضد الإنسانية” والمادة (21) “الاشتراك الجنائي” والمادة (130) “القتل العمد” من القانون الجنائي السوداني، في حين يجرّمها القانون الدولي بموجب المادتين (7) و(25) من ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية والمسؤولية الجنائية الفردية. تلا ذلك هندسة حالة من السيولة الأمنية والاضطراب الاجتماعي خلال الفترة الانتقالية (2020-2021) عبر إثارة الفتن في الشرق والغرب، وتحريض الشرطة على التقاعس، ورعاية عصابات “النيقرز” و”9 طويلة”، فضلاً عن رعاية تظاهرات الفلول وتجار الدين واعتصام الموز وإغلاق ميناء الشرق، وهي أفعال تقع تحت طائلة المواد (65) “منظمات الإجرام والتشكيلات العصابية” والمادة (67) “الشغب” والمادة (69) “الإخلال بالأمن والسلام العام” والمادة (107) “التحريض والتواطؤ” من القانون الوطني.
وتوجت هذه التحركات بتدبير انقلاب 25 أكتوبر 2021 والإطاحة بحكومة الثورة المدنية، وهو ما يشكل الجريمة الدستورية الكبرى بموجب المادة (50) “تقويض النظام الدستوري” والمادة (51) “إثارة الحرب ضد الدولة” من القانون الجنائي السوداني، والتي يقابلها في القانون الدولي انتهاك للمواثيق الدولية الحامية للاستقرار السياسي وحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظمها الحاكمة، بجانب تفعيل المادة (165) من قانون القوات المسلحة السودانية المتعلقة بالتمرد العسكري. وعقب الانقلاب، بدأت مرحلة إعادة تمكين الحركة الإسلامية وتسييس العدالة عبر رد أموال الدولة المنهوبة لعناصر النظام السابق وإسقاط التهم عنهم، وفي المقابل فتح بلاغات كاذبة وكيدية ضد الخصوم المدنيين والعفو عن قادة المليشيات المسلحة والمطلوبين جنائياً، وهي ممارسات تجرمها المواد (89) “مخالفة الموظف العام للقانون بقصد الإضرار أو المحاباة” والمادة (97) “تقديم معلومات كاذبة” من القانون السوداني، فضلاً عن جريمة “الانحراف بالسلطة وإعاقة سير العدالة” في الفقه القانوني. واقترن ذلك بتخريب الاقتصاد القومي وعمليات تهريب الذهب والموارد، مما يدخل تحت طائلة المادة (5) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه والمادة (57) من القانون الجنائي المتعلقة بـ “تخريب الاقتصاد الوطني”.
ووصل هذا التسلسل الممنهج ذروته بإشعال الحرب الشاملة في أبريل 2023 وتدمير البنية التحتية، وما تلا ذلك من تقصير في حماية المدنيين وممتلكاتهم في الخرطوم والجزيرة وسنار ودارفور وكردفان، وصناعة المليشيات والتنظيمات الإسلامية المسلحة، وعدم محاسبة القوات الهاربة، والاستمرار في خيار الحرب والهروب من المفاوضات، وصولاً إلى اتهامات استخدام الأسلحة المحرمة كيميائياً ونشر السلاح. تعاقب القوانين الوطنية هذه الأفعال بموجب المادة (51) “إثارة الحرب ضد الدولة” والمادة (188) “جرائم الحرب ضد الأشخاص” والمادة (189) “جرائم الحرب ضد الممتلكات والأعيان المحمية”. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه المرحلة تضع القيادة تحت الملاحقة المباشرة لمبدأ “المسؤولية القيادية الصارمة” وفقاً للمادة (28) من ميثاق روما الأساسي، والتي تحاسب القائد على الجرائم المرتكبة من مرؤوسيه إذا علم بها وتقاعس عن اتخاذ التدابير لتدراكها، بالإضافة إلى المادة (8) من الميثاق نفسه التي تعاقب على جرائم الحرب، وتدمير المنشآت الحيوية، واستهداف الأعيان المدنية، واستعمال الأسلحة السامة أو الغازات الخانقة، والخرق الصارخ لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.
تُستكمل السلسلة الزمنية للمساءلة الجنائية والسياسية للفريق أول عبد الفتاح البرهان بمحطة بالغة الخطورة، تتمثل في الانخراط المباشر في التسييس الحزبي للمؤسسة العسكرية والتحالف مع واجهات النظام السابق والحركة الإسلامية التي أسقطها الشعب في ثورة ديسمبر المجيدة وجرى حل حزبها بموجب القانون. ويُكيف هذا السلوك قانونياً داخل السودان كخرق جسيم لقانون القوات المسلحة السودانية لسنة 2007، لا سيما المواد المتعلقة بحظر العمل السياسي والانتماء الحزبي أو الديني للعسكريين، وجريمة الحنث باليمين العسكري ومخالفة الأوامر المستديمة بموجب المادة (55) من قانون الجيش، فضلاً عن كونه امتداداً لجريمة تقويض النظام الدستوري (المادة 50 من القانون الجنائي) عبر إعادة تمكين تنظيم ملاحق بقوانين التفكيك وإلغاء المبادئ التأسيسية للوثيقة الدستورية التي نصت على عزل واجهات نظام البشير.
وعلى الصعيد الدولي، يتجاوز هذا الارتباط مجرد المخالفة التشريعية المحلية ليتحول إلى مسؤولية جنائية دولية عن رعاية العنف والنزاعات المسلحة؛ إذ تُصنف القوى المدنية والثورية، والولايات المتحدة الأمريكية، واجهات هذا التنظيم وتشكيلاته المسلحة (مثل كتائب البراء بن مالك والتيارات المرتبطة بها) ككيانات إرهابية ومجموعات متطرفة لدورها المحوري في إشعال الحرب الحالية واستمرارها وتقويض الاستقرار. وإن قيام قيادة الجيش برعاية هذه المجموعات، وفتح مخازن الدولة لتسليحها، وإشراكها في العمليات العسكرية الجارية، يقع مباشرة تحت طائلة المادة (25) من ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة التسهيل والمساعدة والتحريض على ارتكاب الانتهاكات، وينتهك في الوقت ذاته قرارات مجلس الأمن الدولي الصارمة المتعلقة بتمويل المليشيات الأيديولوجية المتطرفة، مما يضع القيادة العسكرية تحت طائلة الملاحقة الدولية كشريك في هندسة الحرب ونشر السلاح خارج إطار الدولة.
أقصى عقوبة قد يواجهها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في حال سقوط نظامه ومحاكمته بشكل مباشر تتراوح العقوبات بين الإعدام محلياً والسجن المؤبد دولياً حيث يُظهر الواقع العملي لسلوك البرهان المحاكاة الواضحة لآليات الحكم السابقة للمخلوع عمر البشير والتي كانت تستند إلى فرض الأمر الواقع وإدارة البلاد عبر التوازنات العسكرية بدلاً من التأسيس لشرعية دستورية مدنية نابعة من الشارع .
البرهان شخص مريض بالحكم والسلطة، إلى درجة أنه يبدو وكأنه لا يرى حجم المأساة التي يعيشها الشعب السوداني بسبب استمرار هذه الحرب.
في هذا التوقيت، كان المفترض أن يخرج البرهان بخطاب تاريخي ومباشر إلى السودانيين، يعلن فيه وقف الحرب ويفتح الباب أمام السلام وإنهاء معاناة المواطنين.
وقف الحرب ليس ضعفاً، ولا يعني أن الجيش انهزم أو أن طرفاً آخر انتصر عليه. بل على العكس، هو موقف مسؤول وشجاع يثبت أن هناك من يضع مصلحة الوطن وحياة المواطنين فوق حسابات السلطة والمعارك.
السودانيون اليوم يعانون من ضائقة معيشية خانقة، وانهيار الخدمات، ونقص الغذاء والدواء، والنزوح والتشرد. والبلاد لم تعد تحتمل مزيداً من إراقة الدماء والدمار.
لو اتخذ البرهان هذه الخطوة، وأعلن وقف الحرب من أجل السودانيين، فإن أثرها في نفوس الناس سيكون مختلفاً تماماً. سيذكرون أنه اتخذ قراراً لإنقاذ شعبه وبلده، لا أنه تنازل لطرف أو خسر معركة. ويتجلى هذا التناسخ السلوكي بشكل ملموس في إعادة تمكين البرهان المستشارين والقيادات الأمنية والإدارية التي شكلت عصب النظام السابق، في محاولة لإعادة إنتاج ذات أدوات السيطرة والتحكم، فضلاً عن السير على نفس الخطى في إدارة العلاقات الخارجية عبر تقديم تنازلات وامتيازات استراتيجية في قطاعات حيوية كالتعدين والموانئ لقوى دولية كبرى، لتأمين البقاء في السلطة وليس لخدمة الاقتصاد القومي.
إلا أن محاولة إعادة إنتاج هذا السلوك تصطدم اليوم بواقع مختلف كلياً يضع السلطة الحالية في موقف أشد خطورة؛ فالرئيس المخلوع كان يستند على مدى ثلاثة عقود إلى تنظيم سياسي حزبي وعقائدي متماسك ومعد تاريخياً لحمايته والدفاع عن وجوده، في حين يفتقر البرهان في الوقت الراهن إلى أي ظهير سياسي أو حاضنة شعبية حقيقية تحمي ظهره في ظل رفض واسع وقاطع من الشارع السوداني والقوى الثورية التي تتمسك بالتحول المدني، بالتوازي مع حالة من التوجس المتبادل وعدم الثقة مع التيارات الإسلامية نفسها. إن هذا الغياب للعمق الشعبي والتنظيمي، مع الإصرار على اتباع ذات الأساليب القديمة في ظل انهيار اقتصادي وتشرذم أمني غير مسبوق وتقسم البلاد واستمرار الحرب ، يجعل السلطة القائمة تعيش حالة من الانكشاف السياسي التام، ويوجه القراءات التحليلية نحو استنتاج واضح بأن الاعتماد على توازنات هشة واستنساخ تجارب الفشل السابقة دون شرعية حقيقية سيقود حتماً إلى نهايات قد تكون أشد تعقيداً وقسوة من نهاية النظام السابق.
نسأل رب العالمين ان يحفظ بلادنا جميعا يا ارحم الرحمين
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.