أربع سنوات من الحرب دفعت السودانيات السودانيين إلى حافة كارثة إنسانية غير مسبوقة؛ ملايين النازحين يعيشون بعيدًا عن بيوتهم، وأسر فقدت أبناءها، وأمهات يواجهن الجوع والعجز عن توفير لقمة لأطفالهن ليس من بينهن أسرته ولا أسرة أحد جنرالات حربه، ومرضى حُرموا من العلاج، ومدن أُطفئت فيها مظاهر الحياة تحت وطأة القصف والدمار والحرمان التمييزي، وانهارت الخدمات، وشحّ الوقود، وأصبحت لقمة العيش معركة يومية. وفي بلد يئن تحت هذه المأساة، يخرج ياسر العطا، رئيس هيئة الأركان، مستعرضًا القوة ومتوعدًا بمواصلة القتال، من دون أن يظهر في خطابه إدراك لحجم الكارثة التي يعيشها السودانيون أو مسؤولية تجاه أرواحهم ومستقبل بلادهم.
يعلن العطا أنه لا يستهدف قبائل بعينها، ويعدد المسيرية والحوازمة والهبانية والرزيقات وبني هلبة، ثم ينتقل إلى وصف الآخرين بالمرتزقة والملاقيط والأجانب، ويوجه اتهامات إلى دولة جنوب السودان. ويستدعي حملات الدفتردار الانتقامية في سياق حديثه عن غرب السودان. كيف يجتمع نفي استهداف القبائل مع خطاب يفتح أبواب الشك والتحريض؟ إن هذه اللغة التافهة والأسلوب السفيه، في ظل ما شهدته المنطقة من انتهاكات، تحمل تهديدًا بالغ الخطورة، وتعيد إلى ذاكرة المجتمعات صورًا من الانتقام والعقاب الجماعي.
أما جرائم الكنابي وهدمها وتهجير ساكنيها، من قتل جماعي وذبح وإلقاء جثامين في النيل وانتهاكات طالت النساء والأطفال، فتظل جرحًا مفتوحًا وأسئلة معلقة حول التشكيلات التي شاركت فيها والقيادات التي استنفرتها أو وفرت لها الغطاء. وياسر العطا، بموقعه القيادي في المؤسسة العسكرية، مطالب بإجابات عن هذه الوقائع ومسؤولية القيادات عنها. لا يجوز أن تتحول دماء الضحايا إلى تفصيل يُتجاوز، بينما تُستخدم المنصات العسكرية لتوزيع الاتهامات والتهديدات.
وبعد كل هذه الخسائر، يعلن العطا مواصلة الحرب والتقدم نحو مناطق جديدة، وكأن البلاد تحتمل مزيدًا من القتال والدمار. ما الذي تبقى حتى يُضحّى به؟ المدن المدمرة، والاقتصاد المنهار، والأسر المشتتة، والأطفال الذين حُرموا من التعليم والأمان؟ إن الإصرار على الحرب لا يقدم للسودانيين طريقًا للخلاص، بل يوسع دائرة الموت والنزوح، ويقرب البلاد من تفكك يصعب ترميمه.
ياسر العطا، هذا الموقع الذي تشغله ومنصبك العسكري يضعك أمام مسؤولية حماية السودانيين وقسمك الذي أقسمته يحضك على الالتزام بشرف الجندية الذي تخليتم عنه وخنتموه، إنه التزام بحماية السودانيين لا تعبئتهم لمعركة جديدة كلما اتسعت الكارثة. ستظل جرائم الكنابي وأسئلة المسؤولية والمحاسبة حاضرة، وستظل معاناة الملايين شاهدًا على كلفة هذا النهج. السودان يحتاج إلى وقف الحرب وإنقاذ شعبه، لا إلى استعراضات عسكرية فوق أنقاض وطن يدفع مواطنوه ثمنها كل يوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.