الكهرباء خارج الخدمة.. والدولة خارج التغطية

يوسف عزالدين

حتى متى تنقطع الكهرباء؟ هذا السؤال لا يحتاج إلى خبير طاقة، بل يحتاج إلى ضمير.

محطات توليد الكهرباء الرئيسية خارج الخدمة. مروي، وسد سيتيت، ومحطة قري، ومحطة بحري الحرارية، كلها خارج الخدمة أو تعمل بنصف طاقتها. المواطن في بورتسودان وكسلا والقضارف وعطبرة يعيش في ظلام دامس، وحرارة تقتل كبار السن، ومياه مقطوعة لأن المضخات لا تعمل.

أين الخطط البديلة؟ أين وزارة الطاقة؟ أين حكومة بورتسودان التي تصرف مليارات الجنيهات على المؤتمرات والاحتفالات؟

 

لا توجد خطة بديلة، لأن من يحكم لا يفكر في المواطن. من يحكم يفكر في نفسه فقط.

 

المواطن اختار البل. نعم، هذا صحيح. كثير من المواطنين هتفوا «بل بس»، وهم لا يعلمون أن البل سيرتد إليهم. لكن حتى البل له حدود. قوة التحمل لها حد. أنت تستطيع أن تتحمل الجوع شهراً، والنزوح عاماً، لكنك لا تستطيع أن تتحمل الظلام والحر وانقطاع المياه إلى الأبد.

 

المواطن اليوم يتجرع كأس المر والذل والبل. يتجرع الذل لأنه يقف في صف العيش والغاز، ويتجرع المر لأنه يدفع فاتورة كهرباء لا تأتيه، ويتجرع البل الذي اختاره.

 

ولكن دعونا نسأل السؤال الأخطر: لماذا الكهرباء خارج الخدمة؟

 

في كل مرة نسمع رواية جديدة. مرة يقولون إن الاستهداف تم من قوات تأسيس بطائرات مسيّرة في نيالا، ومرة يقولون إنها مسيّرات إثيوبية، ومرة يقولون إنه عطل فني، ومرة يقولون إنه نقص في الوقود.

 

وهنا يكمن اضطراب الإدانة. الحكومة تدين تأسيس اليوم، وتدين إثيوبيا غداً، وبعد غد تصمت. لا رد، ولا بيان عسكري واضح، ولا كيان للدولة ولا شخصية.

دولة لا تستطيع أن تحمي محطة كهرباء، كيف ستحمي مواطناً؟ دولة لا تستطيع أن تحدد من ضربها، كيف ستنتقم؟

والأخطر من ذلك، والأكثر فضيحة: أجهزة التشويش.

وضعتم أجهزة تشويش غالية الثمن، بمئات الآلاف من الدولارات، حول مقر إقامة القيادة في بورتسودان. تحمون القائد من المسيّرات. هذا حقكم. لكن لماذا لا تضعون أجهزة التشويش نفسها حول محطة كهرباء مروي؟ وحول محطة قري؟ وحول سد سيتيت؟

 

لأنكم تحمون القيادة ولا تحمون الشعب. تحمون الكرسي ولا تحمون الخدمة. تحمون القصر ولا تحمون المستشفى.

 

هذا هو منطق الكيزان منذ عام 1989. مشروعهم ليس بناء دولة، بل بناء سلطة. منذ وصولهم إلى الحكم بالانقلاب، سرقوا كل شيء: سرقوا الجيش وحولوه إلى استثمار، وسرقوا الكهرباء وحولوها إلى جبايات، وسرقوا التعليم وحولوه إلى مدارس خاصة لأبنائهم.

الكيزان هم من دمروا قطاع الكهرباء. باعوا النحاس، وباعوا قطع الغيار، وعيّنوا أهل الولاء بدلاً من أصحاب الكفاءة. مهندس الكهرباء الشاطر هاجر إلى السعودية، وبقي في الوزارة كوز لا يفهم الفرق بين الميغاواط والكيلوواط.

والآن، بعد أن دمروا كل شيء، يطلبون من المواطن أن يصبر. يطلبون منه أن يتحمل البل.

بماذا يتحمل؟ بماذا؟

امرأة في بورتسودان لديها طفل يحتاج إلى جلسة أكسجين بجهاز كهربائي، ماذا تفعل؟ رجل عجوز يستخدم الأنسولين ويحتاج إلى ثلاجة لحفظه، أين يضعه؟ طالب في الشهادة السودانية يذاكر على ضوء الشمعة، كيف سينجح؟

 

أنتم قطعتم الكهرباء، وقطعتم معها الأمل.

 

والمصيبة أنكم لا تخجلون. تخرجون في بثوث مباشرة على تيك توك وتقولون: «الوضع تحت السيطرة» و«نعمل على إصلاح العطل». أي سيطرة؟ بورتسودان نفسها، حيث مقر الحكومة، تعيش بلا كهرباء لأسبوع. كيف ستسيطرون على الخرطوم ودارفور؟

 

الحقيقة التي يجب أن تُقال: السودان ليس لديه حكومة. لدينا مجموعتان تتقاتلان على السلطة، وكل واحدة تحمي نفسها بأجهزة تشويش، وتترك الشعب في الظلام.

 

لا حكومة بورتسودان تملك قراراً، ولا حكومة تأسيس تملك خدمة. الاثنتان فشلتا، والمواطن هو الضحية.

الحل ليس في إدانة إثيوبيا أو تأسيس. الحل في ثلاث خطوات واضحة ومحددة:

أولاً: قولوا الحقيقة للمواطن. أصدروا بياناً فنياً على لسان مهندس، وليس ناشطاً، وأوضحوا ماذا حدث بالضبط، ومتى ستعود الكهرباء. احترموا عقل المواطن.

ثانياً: انقلوا أجهزة التشويش من مقرات القيادة إلى محطات الكهرباء والمستشفيات ومحطات المياه. حماية المواطن أولى من حماية القائد. إذا كان القائد خائفاً، فليجلس في مخبأ، لكن لا تتركوا الشعب يموت من الحر.

ثالثاً: أبعدوا الكيزان عن قطاع الكهرباء والخدمات. هذا القطاع يحتاج إلى كفاءات ومهندسين حقيقيين، وليس إلى كوز يصلي في الصف الأول ويسرق في الصف الأخير. كل محطة كهرباء يديرها كوز ستظل خارج الخدمة.

المواطن السوداني ليس ضد الجيش ولا مع الدعم السريع. المواطن ضد الظلام، وضد الكذب، وضد من يضع أجهزة التشويش فوق رأسه وينسى بيته.

كفى. البل وصل حدّه. الظلام وصل حدّه. قوة التحمل لها حد.

إما أن تضيئوا هذا البلد، أو اتركوه لمن يستطيع أن يضيئه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.