في وقتٍ تتسع فيه رقعة المواجهات المسلحة، وتنهار فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية إلى مستويات غير مسبوقة، تفاجئنا سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بالإصرار على ترويج ودعم ما تُسميه “برامج العودة الطوعية” للمواطنين والفارين من ويلات الحرب. إنها خطوة تدعو للذهول وتفتح الباب أمام استفهامٍ أخلاقي وسياسي شديد الخطورة: لماذا تُصرّ هذه السلطة على الدفع بالمواطنين العزل نحو المحرقة، وتخاطر بأرواحهم في بيئات تفتقر لأدنى المقومات الأمنية والإنسانية؟
إن التسويق للعودة في ظل غياب أي أفق للحل السياسي، واستمرار القصف الجوي والمدفعي، وتفكك الخدمات الأساسية من مستشفيات ومياه وكهرباء، ليس سوى خطة مكشوفة يراد منها تصدير صورة زائفة عن “استباب الأمن” و”استقرار الأوضاع”. تحاول سلطة بورتسودان استخدام المواطنين الفارين كمصدات بشرية وواجهات إعلامية لتأكيد سيطرتها الصورية، غير مبالية بما ينتظر هذه العائلات المنهكة من مخاطر القتل، والتنكيل، والمجاعة التي تفتك بالولايات المختلفة.
كيف تطلب سلطة من مواطنيها العودة إلى مدن وقرى لا تملك فيها حتى قدرة حمايتهم من الانتهاكات أو توفير رغيف الخبز لهم؟ إن الاقتصاد المحلي مفلس تماماً، وأسواق العمل متوقفة، والعملة الوطنية تسجل انهيارات قياسية يومياً، مما يعني أن العودة في هذه الظروف هي حكمٌ صريح بالعدم والموت البطيء.
إن الاستهتار بحياة النازحين والفارين، والاتجار بملف العودة الطوعية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، يمثل امتداداً لنهج العجز واللامبالاة الذي تمارسه حكومة بورتسودان منذ اندلاع الأزمة. فالشرعية لا تُبنى على إجبار الضحايا على التظاهر بالاستقرار، بل تُبنى على حماية الأرواح وتوفير السلام الحقيقي. وعلى هذه السلطة أن تتوقف فوراً عن هذه المغامرة غير المحسوبة، وأن تدرك أن أرواح السودانيين ليست رخيصة لتُقدم قرباناً لبيانات إعلامية ومكاسب جوفاء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.