البرهان يكسر بيوت من يحمون الوطن

يوسف عزالدين

ليست حملات تنظيم، ولا إزالة تعديات كما تدعي الحكومة.
ما يحدث في مدن السودان اليوم هو حملة تكسير ممنهجة لبيوت المواطنين، بطريقة كيزانية خالصة، تعيد إنتاج العنصرية القديمة، وتكشف أن البلد محكوم بعقلية احتلال داخلي لا يعترف بالمواطن إلا إذا كان من قبيلته أو حزبه أو جهته.
البيوت تُكسر أمام أصحابها. النساء يصرخن، والأطفال يبكون، والرجال يقفون عاجزين أمام الجرافات.
بيت بناه صاحبه لسنوات يُهدم في دقائق بقرار من مكتب لا يعرف ألم التشريد. هذه ليست دولة، هذه عصابة تحكم بالجرافة.
الفضيحة الأكبر أن الحملات ليست عشوائية. هناك بيوت تُترك، وبيوت تُكسر. بيت يُهدم لأنه يعود لمواطن من العنصر الأفريقي، وبيت آخر يبقى لأنه يعود لشخص محسوب على العشائر الجهوية المدعومة من السلطة.
السودان بلد أفريقي. هذا ليس شعاراً، هذا أصل وتاريخ وجغرافيا.
ولكن النظام الحالي يتعامل مع الأفريقي في بلده كأنه أجنبي، وكأن الأرض ليست أرضه.
يتم اختيار الأحياء الفقيرة، وأحياء الهامش، وأحياء أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق، لتكون أول ضحايا الجرافات.
أي عدالة هذه؟ أن تُكسر بيوت أبناء البلد الأصليين، بينما تُبنى القصور والعمارات للمحاسيب؟ هذه عنصرية مكشوفة، لا تحتاج إلى تفسير.
البرهان يقول إنه يحارب الكيزان، لكنه يحكم بأدواتهم. نفس العقلية، ونفس الجرافات، ونفس سياسة فرق تسد.
الكيزان عادوا من الشباك بعد أن طردهم الشعب من الباب، وهم اليوم يديرون المحليات واللجان والأجهزة، وينفذون الانتقام من الشعب الذي ثار عليهم.
حكومة البرهان لا تحارب الفوضى، بل تصنعها. لا تبني البيوت، بل تهدمها. لا تحمي المواطن، بل تشرده. كيف لسلطة تدعي أنها تحارب من أجل الوطن أن تهدم بيوت أبناء الوطن في عز الحرب؟
الكيزان يريدون أرضاً بلا شعب، وشعباً بلا ذاكرة. يريدون تفريغ الأحياء الشعبية من أهلها ليبيعوا الأرض للمستثمرين والمقربين. هذه ليست إزالة، هذه سرقة مقننة.
المفارقة التي تفضح كل شيء أن أبناء هذه البيوت المكسرة هم الآن في الصفوف الأمامية للقتال. هم الذين يجغمون ويستشهدون ويدافعون عن البلد. آباؤهم في الخلف تُكسر بيوتهم بحضورهم، بينما هم في المقدمة يحمون الدولة نفسها التي تهدم بيوتهم.
أي خيانة أكبر من هذا؟ شاب يقاتل في الصفوف الأمامية، ويصله خبر أن جرافة الحكومة كسرت بيت أمه. كيف سيقاتل بعدها؟ وكيف سيصدق أن هذه حرب كرامة؟
هذه ليست حرب كرامة، هذه حرب كرامة الكيزان فقط. كرامة المواطن تُداس بالجرافة كل صباح.
البيت ليس طوباً وأسمنتاً. البيت هو ستر المرأة، وأمان الطفل، وتاريخ الجد. عندما تكسر بيتاً، أنت لا تزيل تعدياً، أنت تكسر أسرة كاملة، وتدفعها إلى الشارع، والجوع، والمرض، والانحراف.
أين يذهب المواطن بعد تكسير بيته؟ هل وفرت له الحكومة بديلاً؟ هل عوضته؟ هل سألته أين سينام أطفاله الليلة؟ الجواب: لا. لأنهم لا يرون فيه مواطناً، بل يرونه رقماً زائداً يجب إزالته.
ما يحدث اليوم هو حكم العشائر الجهوية. كل عشيرة تحمي منطقتها وبيوتها، وتدفع الجرافة نحو بيوت الآخرين. الدولة تحولت إلى غنيمة، والمواطن تحول إلى ضحية للمحاصصة القبلية.
أصبحت الجنسية الحقيقية في السودان هي قبيلتك، لا جوازك. إذا كنت من القبيلة الصحيحة، فبيتك آمن. وإذا كنت من الهامش، فبيتك مستباح. هذا هو الاحتلال الجديد، احتلال داخلي بلا وجه حق، أخطر من أي احتلال أجنبي.
نقولها بوضوح: حملات تكسير البيوت جريمة. والسكوت عليها جريمة أكبر.
نحن ضد حكومة البرهان التي تهدم، وضد الكيزان الذين يخططون، وضد العشائر الجهوية التي تحمي الظلم.
أوقفوا التكسير فوراً. عوضوا المتضررين. حاسبوا من أصدر القرار. وأعيدوا للمواطن كرامته قبل بيته.
فمن لا بيت له، لا وطن له. ومن يكسر بيوت شعبه، لا يستحق أن يحكمه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.