هل يتكرر سيناريو اليمن؟ قراءة في علاقة البرهان بالرياض ومخاطر “حرب الآخرين”

 سيف الدولة كمال

تتجدد الهواجس في الشارع السوداني كلما اقتربت خطوط الدبلوماسية بين الخرطوم والرياض، لتطفو على السطح الأسئلة الأكثر إيلاماً وخطورة: هل يُعاد إنتاج سيناريو حرب اليمن بحذافيره؟ وهل تتحول دماء الشباب السوداني مرة أخرى إلى عملة صعبة تُسدّد بها فاتورة التحالفات الإقليمية ودعم الجيش في معركته الوجودية؟

لكي ندرك مخاوف اليوم، يجب أن نعود قليلاً إلى مارس 2015؛ حين أعلن الجيش السوداني مشاركته الرسمية في “عاصفة الحزم” باليمن، مسوغاً ذلك بحماية أمن الحرمين الشريفين والأمن القومي المشترك. وحينها، انخرطت أجيال من أبناء السودان في أتون حرب استنزاف طويلة بعيداً عن ديارهم. ومع توالي السنوات وتصاعد تقارير الأمم المتحدة وحركات الاحتجاج، تضخمت الأرقام لتبلغ نحو 15 ألف مقاتل سوداني في أوج الأزمة، وسط اتهامات موثقة بوجود قاصرين بين الصفوف، قبل أن تبدأ عملية السحب التدريجي بعد الإطاحة بنظام البشير، وصولاً إلى تقليص الوجود العسكري إلى نحو 650 جندياً في 2020.

يومها، كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه هو المشرف المباشر على تنسيق وإرسال تلك القوات بحكم مواقعه العسكرية المتقدمة، وهو ما يجعل شبح تلك التجربة المريرة حاضراً بقوة في الوعي الجمعي السوداني اليوم.

في المشهد الجاري لعام 2026، تبدو الرياض أقرب سياسياً وميدانياً إلى بورتسودان؛ فقد توج هذا التقارب بلقاء القمة الذي جمع البرهان بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة (أبريل 2026)، وتأكيد السودان المتكرر على أن “أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن السودان”، بالتزامن مع إعادة تشكيل “مجلس التعاون الاستراتيجي” بين البلدين.

وفي وقت تلعب فيه السعودية أدواراً محورية في ملفات التسوية وأمن البحر الأحمر، يخشى المراقبون والقطاعات الشعبية أن يتحول هذا التقارب الإستراتيجي — المتحقق في لحظة انهيار اقتصادي وعسكري غير مسبوقة — إلى ضغوط غير مباشرة تفرض على الخرطوم دفع أثمان بااهظة، أشرسها إعادة فتح باب التجنيد لإرسال جنود سودانيين لحماية الحدود السعودية الجنوبية أو المشاركة في حرب اليمن مجدداً مقابل الدعم المالي والسياسي.

لكن الواقع الميداني للجيش السوداني في 2026 يختلف جذرياً عن سياق عام 2015؛ فجيش يقاتل على جبهات متعددة داخل ولايات البلاد، ويدافع عن بقاء الدولة ذاتها وسط نزوح ملايين السودانيين وتآكل القوى البشرية واللوجستية، لا يملك ترف “التصدير العسكري” أو الانخراط في حروب خارجية بالوكالة. إن إرسال أي جندي سوداني خارج الحدود في ظل حرب الإبادة والدمار الداخلي التي تعتصر الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان، يمثل جريمة بحق السيادة الوطنية واستخفافاً بدماء رخيصة تُراق في معارك لا تخص المواطن السوداني في شيء.

في المقابل، يسوق بعض المدافعين عن هذا التقارب مبررات براغماتية، مفادها أن السودان اليوم بحاجة ماسة إلى حلفاء إقليميين كبار لكسر العزلة، وتجفيف منابع دعم قوات الدعم السريع، واستعادة الاستقرار المؤسسي، وأن التفاهمات مع الرياض تمثل طوق نجاة اقتصادي ودبلوماسي لا غنى عنه.

غير أن التجربة علّمت السودانيين أن أي دعم يُبنى على حساب كرامة الدم السوداني واستخدام أبنائهم كمرتزقة على الحدود هو “دعم سمٌّ في دسم”. إن حماية أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة لا تكون بالمقايضة على أرواح الشباب، ولا بتحويل الجيش الوطني إلى شركة أمنية للإيجار الإقليمي.

إن اختبار بورتسودان الحقيقي اليوم ليس في مدى قدرتها على استرضاء العواصم عبر صفقات الجنود، بل في قدرتها على حماية ما تبقى من تراب الوطن وكرامة إنسانه. فهل يتعظ الجنرالات من دروس الماضي، أم أن هواجس الكرسي والسلطة ستدفعم لتكرار خطيئة “حرب الآخرين” على حساب أشلاء السودانيين؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.