تبــدو الحكايــة وكأنهــا مجــرد أزمـــة صحيـــة عــابــرة الحياة إنــسان، لكن في عمقـــها تخـــتنق الحقيقة خلف جدران الإهمال، ويغيب الضمير كما يغيب الأكسجين عن صدور المرضى. يفقد النجاح معناه، وتتلاشى الآمال، حين تُدار الدولة بعقليةٍ تُعيد إنتاج الفشل وتُجمّل الكارثة بشعاراتٍ جوفاء.
إن الأكســــجـــين
أو الهــواء الســائل الــذي لا يُـــرى هــو سرّ الحياة الذي به يتحرك الجسد وتبقى الروح، غيابه لا يعني توقف التنفس فحسب، بل يعني توقف نبض الحياة في وطنٍ بأكمله. فحين يُحرم المريض من حقّه في التنفس، يُسلب منه أبسط حقوقه الإنسانية، ويتحوّل العجز الإداري إلى جريمةٍ أخلاقــية مكتملة الأركــان
فــي كـــل مستشــــفى مــن مستشفيات البلاد، تتكرر القصة ذاتها: أجهزة فارغة من الأكسجين، وأسِرّة مزدحمة بالمرضى، وأطباء يعملون وسط انعدام المعدات، بينما الحكومة تلتزم صمتًا مريبًا يشبه التواطؤ.
وفي ردهات العناية المركزة، تختنق الأرواح، لا لأن الأكسجين غالٍ أو مفقود في السوق العالمي، بل لأن الضمير الإداري المحلي أصبح سلعة نادرة
المـــشهد لا يقـــتصر علـــى العاصمــــة؛ فالأرياف في الشمال والغرب والشرق والجنوب تعيش تحت وطأة الانهيار الصحي الكامل. هناك، يقطع المرضى عشرات الكيلومترات بحثًا عن دواءٍ مفقود أو جرعة أكسجين معدومة
المـــراكز الصحــية متــــهالــكة، والمستشفـــــيات تغلق أبوابها تباعًا، وبعض الأقسام الحيوية أُغلقت دون إعلان رسمي، في ظل تجاهلٍ تامٍ من وزارة الصحة التي يبدو أنها فقدت كل حسٍ وطني ومسؤولية مهنية وأخلاقية
ومـــن المؤســـف أن المنـــظومة الصحيـــة اليــوم تُـــدار بـــذات العقلـــية التي حكمت في العهد السابق؛ تلك التي جعلت من الوزارة ساحةً للمحسوبية والولاء السياسي، لا للكفاءة والمهنية.
عقلية ترى في الكرسي غايةً وفي المنصب مكسبًا، لا أمانةً ولا مسؤوليةً تجاه الشعب.
لقد تكرّر المشهد ذاته منذ عهد النظام السابق حتى الآن، فقط تغيّرت الوجوه، بينما بقي الفشل هو الثابت الوحيد.
ومن المدهش أن بعض المسؤولين الحاليين كانوا جزءًا من تلك المنظومة المتهالكة؛ تقلدوا مناصب عليا في مؤسسات كبرى كـ مستشفى أم درمان وغيرها، ومع ذلك، لم يُقدموا في يومٍ ما نموذجًا يُحتذى به في الخدمة العامة
هـــؤلاء الذيـــن عـــادوا اليــوم بوجـــوه جديدة، هم ذاتهم من ساهموا في تدمير الصحة في السودان، وها هم يواصلون المشهد ذاته بجرأةٍ وصمتٍ رسميٍّ فاضح
الـــوزارات تُـــدار كأنـــها شركــات خاصــــة، والمواطن يُعامل كعبءٍ على النظام لا كصاحب حق.
إن هذا الشكل من التهاون لم يعد مجرد إهمالٍ وظيفي، بل تحوّل إلى سياسة ممنهجة في إخفاء الحقائق وتعتيم الرأي العام
فالحـــكومـــة لا تكـــتفي بالعــجز، أو الغشل الزريــع بل تتفنن في إخفاء نسبة الوفيات الحقيقية التي تتصاعد يومًا بعد يوم، وتمنع العاملين في القطاع الصحي من التحدث للإعلام أو كشف حجم الكارثة الــمأساوية
البلاد تغلي بالأوبئة، والصيدليات مكتظة بالباحثين عن دواءٍ لم يعد متوفرًا، بينما بيانات الوزارة تُزيّف الأرقام وكأننا نعيش في زمنٍ غير الزمن، كأننا في عصرٍ حجريٍّ تُدار فيه الأزمات بالتجاهل لا بالحل
إن فشـــل وزارة الصــحة ليـــس فشـــلًا فـــنّيًا فــحسب، بل هو إفــلاس أخلاقي وسياسي نتج عن غياب الرؤية والإرادة.
فكيف يمكن لحكومةٍ انقلبت على ثورةٍ رفعت شعار “حرية، سلام، وعدالة” أن تعيد إنتاج ذات منظومة الفساد التي ثار ضدها الشعب؟
كيــف لحــكومــةٍ تُســـمي نفســـها حكومة أمل وأعمالها
الم وحسرة{ليس أمل بل يحق لنا نطلق عليها حكومة اليأس وفقدان ألامـل }أن تُدير قطاعًا حيويًا كالصحة بعقولٍ لا تؤمن إلا بالولاء والانتماء الضيّق؟
لقــد باتـــت وزارة الصـــحة نمـــوذجًا مـــصغــرا لفشل الدولة بأكملها، إذ تُدار بالعشوائية والتردد وانعدام التخطيط.
مراكز غسيل الكلى مهددة بالإغلاق، وأقسام الطوارئ بلا أدوية، والمواطن يئنّ تحت وطأة المرض والفقر معًا.
الكوادر الطبية تعمل في ظروفٍ قاسية دون تقدير، بل تتعرض للتهديد أحيانًا إن هي أفصحت عن الحقائق
أمــا المــسؤولـــون، فيظـــهرون فــي وسائل الإعلام بوجوهٍ جامدة وكلماتٍ معدّة مسبقًا، يتحدثون عن “تحسين الخدمات” و“خطط الإصلاح”، بينما الواقع يصرخ بعكس ذلك تمامًا
إن صمــت الحكومــة الحالــية أمام هذا الانهيار الصحي ليس عجزًا عن الحل، بل خيار سياسي متعمّد لتجنب الاعتراف بالفشل.
لكن مهما طال الصمت، ستبقى الحقائق أقوى من محاولات التزييف
فالمـــواطن اليـــوم يــدرك أن ما يجري هو نتيجة مباشرة لإعادة تدوير ذات الوجوه والعقليات التي دمرت السودان، وأن أي إصلاحٍ لن يتحقق ما لم تُقتلع جذور الفساد من داخل المؤسسات
إن المــطلــوب اليـــوم ليــس لجنة جديدة ولا بيانًا منمقًا، بل قرارات حاسمة وشجاعة بإعفاء كل القيادات التي ثبت تقصيرها، ومحاسبة كل من ساهم في هذا الانهيار الصحي، واستبدالهم بقياداتٍ مؤهلة تمتلك الحس الإنساني والكفاءة العلمية.
فالوطن لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى رجالٍ ونساءٍ يحملون الضمير قبل السلطة، والواجب قبل الامتياز
ختــاما، لا يمــكن لوطنٍ أن يتنفس بحريةٍ وأكسجينه محجوز في دهاليز الــبيروقراطــية، ولا يمكن لمجتمعٍ أن ينهض بينما وزاراته تُدار بعقلية الفشل والإنكار.
فكما أن الأكسجين هو حياة الجسد، فإن الضمير هو حياة الدولة، وحين يغيب كلاهما… لا يبقى للوطن سوى أن يختنق ببــطءٍ تــحت صمــت المسؤولـــين
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.