إمكانية توحيد الدعم السريع والحركات المسلحة في جيش وطني مهني: مهمة أقرب إلى الواقع من إصلاح الجيش السوداني.
تطرح الحرب الراهنة في السودان سؤالًا جوهريًا حول مستقبل المؤسسة العسكرية ووحدتها. فهل يمكن إعادة تشكيل جيش وطني مهني يضم القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة؟
الجواب، برغم ما يبدو من صعوبات، يشير إلى أن توحيد هذه التكوينات في جيش جديد أكثر مهنية ووطنية قد يكون عمليًا أكثر من مهمة إصلاح الجيش القائم نفسه، الذي يعاني من إرث أيديولوجي وبنيوي عميق.
هذا الطرح يمكن إثباته عبر ثلاث فرضيات رئيسية: تحولات المواقف، البعد الأيديولوجي، والعامل الخارجي.
الفرضية الأولى: تحولات المواقف بين الفاعلين العسكريين.
على امتداد الصراع الطويل حول شكل الحكم وإدارة الدولة في السودان، نشأت حركات مسلحة رفعت شعارات العدالة والمساواة والمشاركة في السلطة.
في المقابل، تمسّك الجيش السوداني بموقف تقليدي يرى نفسه المرجعية الوحيدة للحكم والسياسة، رافضًا مشاركة أي قوى أخرى – مدنية كانت أو عسكرية – خارج تصوّره الخاص للدولة.
ومع مرور الزمن، تغيّرت مواقف بعض الحركات المسلحة، وانتقلت من المواجهة إلى محاولات الاندماج أو التحالف مع الجيش. هذا التحول في المواقف يدل على مرونة سياسية تمكّن هذه الحركات من الانخراط في مشروع وطني جديد يقوم على مهنية القوات المسلحة ووحدتها، بخلاف الجيش النظامي الذي ظلّ محافظًا على رؤيته الأحادية.
كما أن تجارب مثل الجيش الشعبي لتحرير السودان سابقًا أو حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد، تظهر أن هذه التشكيلات المطلبية يمكن أن تُدمج في جيش وطني متى اكتملت رؤية الدولة الجديدة.
الفرضية الثانية: الإعاقة الأيديولوجية في الجيش السوداني.
يُعدّ التحدي الأعمق أمام إصلاح الجيش السوداني هو تغلغل الأيديولوجيا داخل بنيته الفكرية والتنظيمية، إذ ثبت أن المؤسسة العسكرية غارقة في الفكر الإسلامي الحركي المرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين.
هذا التوجه جعل الجيش أكثر انحيازًا لمشروع سياسي محدد، لا لمفهوم الدولة القومية الحديثة.
في المقابل، فإن معظم الحركات المسلحة وقوات الدعم السريع لا تقوم على أيديولوجيا مغلقة، بل على مطالب جهوية واجتماعية يمكن تجاوزها نحو بناء مؤسسة وطنية مشتركة.
لذا، فإن المرونة الأيديولوجية لهذه القوات تجعلها أكثر قابلية للتكيّف مع معايير مهنية جديدة، تعتمد الكفاءة والتمثيل العادل بدل الولاء العقائدي.
الفرضية الثالثة: البعد الخارجي في تكوين المؤسسة العسكرية.
تاريخيًا، سبقت المؤسسة العسكرية قيام الدولة السودانية نفسها، ما جعلها تحمل ولاءات وعلاقات خارجية متشابكة.
فهي من صاغت السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، وأعادت هندسة مؤسسات الدولة وفقًا لمزاجها وأولوياتها الأمنية، وليس وفق احتياجات المجتمع.
هذا الارتباط البنيوي بالخارج يجعل من الصعب الوثوق في قدرتها على حماية السيادة الوطنية أو تبنّي مشروع وطني جامع.
أما الحركات المسلحة وقوات الدعم السريع، فعلاقاتها الخارجية محدودة وظرفية، ما يجعلها أقل ارتهانًا وأكثر قابلية للاندماج في جيش وطني جديد.
إن الخارطة السياسية السودانية لا يمكن أن تستقر دون معالجة الجذر العسكري والأمني أولًا.
فتوحيد البنية العسكرية وفق معايير مهنية ووطنية هو الشرط الأساس لأي مشروع سياسي قادم.
لقد تعلّم السودانيون من تجاربهم المريرة أن السلام الحقيقي يبدأ من بناء جيش للدولة، لا جيش للنظام أو الإقليم أو الفكرة الأيديولوجية.
ومن هنا، قد تكون إمكانية توحيد الدعم السريع والحركات المسلحة في جيش مهني جديد خطوة أكثر واقعية وأملًا من محاولة إصلاح جيشٍ ترهّله الأيديولوجيا والانقسامات التاريخية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.