الشعوب الأصلية والمواطنة في السودان: تفكيك هرم الاعتراف المركزي

عمار نجم الدين

الشعوب الأصليّة في السودان ما موضوع تفوق ولا أحقيّة ولا ترتيب قبلي، وإنما مسألة فهم تاريخي للسودان قبل ما تتكوّن الدولة الحديثة. في كل دول العالم المتعددة، زي أمريكا وأستراليا وكندا، الاعتراف بالشعوب الأصلية ما انتقص من حقوق الآخرين، وما عمل فرز عنصري، وما خلق درجات مواطنة. بالعكس تمامًا: الاعتراف أعاد التوازن وصحّح التاريخ وبنى مواطنة أقوى للجميع. ودا بالضبط الفهم البنعتمد عليه في السياق السوداني.
في السودان، في جماعات كان وجودها سابق لتشكّل الدولة الحديثة، وكانت علاقتها بالأرض علاقة ذاكرة وهوية وروح وليس ملكية بس. مجموعات حملت تراثها في الغناء، وفي الرقص، وفي الحكايات، وفي الطقوس. مجموعات زي، النوبة، الفور، المساليت، البجا، الفونج، وغيرهم. دي مجموعات كانت جزء من الأرض قبل ما تنشأ دولة المركز، وحافظت على نسقها الثقافي رغم التهميش السياسي والاجتماعي الكبير.
لكن الدولة السودانية، من يومها الأول، اتبنت على نموذج مركزي واحد: لغة واحدة، ثقافة واحدة، جغرافيا واحدة، وفهم واحد للوطن. وانتهى الأمر باستعمار داخلي مارسه المركز على الأطراف: قصف، تهجير، محو لغات، إلغاء ذاكرات، وإعادة تعريف السوداني من منظور الخرطوم وحدها. هنا ظهرت المشكلة: المركز ما بس همّش الشعوب الأصلية، بل أسس “هرم اعتراف” عنده القدرة يمنح الهوية لمن يشاء وينزعها عمّن يشاء.
حتى المجموعات المستعربة خارج المركز ذاتها ما نالت الاعتراف الكامل. الخطاب المركزي وصف الزغاوة بأنهم تشاديين، ووصف عرب دارفور بأنهم عرب شتات جاين من برا الحدود من النيجر و تشاد ، ووصف سكان النيل الأزرق بأنهم إثيوبيين. دا معناهو إن المسألة ما لغة ولا عروبة؛ المسألة انتماء للمركز. لو ما كنت قريب من المركز، بينزِع عنك الاعتراف، حتى لو كنت قريب منهم ثقافياً أو دينياً أو لغوياً. دا بيأكد إن المشكلة مشكلة سلطة، مش مشكلة عِرق.
اليوم بنشوف خطابين متقابلين، لكنهم في الحقيقة جايين من نفس الذهنية: خطاب بيرفض الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية، وخطاب بينزع المواطنة والانتماء عن شعوب مهاجرة مستقرة تاريخيًا لكنها ما تابعة للمركز. الخطابان ديل رغم اختلافهم الظاهر، هما وجهان لعملة واحدة: عقل بيخلي فئة صغيرة تحدد منو السوداني ومنو الما سوداني.
والحقيقة البسيطة إنو الاعتراف بالشعوب الأصلية ما بنقص مواطنة زول. ما بسحب حق من زول. ما بعمل تراتبية جديدة. بل على العكس: الاعتراف هو التصحيح الأول للمواطنة. لأنو ما ممكن تبني دولة عادلة من غير ما تسمي الظلم باسمو. ما ممكن تقول في مساواة والجماعات المتضررة تاريخياً لسه ما معترف بيها كجزء مؤسس من البلد.
التجارب العالمية بتوري إنو الاعتراف ما بيفرق البلد. أمريكا ما انقسمت لمن اعترفت بالسكان الأصليين. كندا ما انهارت. أستراليا ما اتفككت. بالعكس: وقفوا على حقيقة تاريخهم وبنوا مواطنة مبنية على الشفافية والاعتراف، لا على الإخفاء.
السودان محتاج نفس الشجاعة. محتاج نواجه الحقيقة: في شعوب انظلمت، وفي شعوب اتمسحت هويتها، وفي ناس اتنزع منهم الاعتراف، وفي دولة قامت على الامتياز لا المساواة. الاعتراف دا ما بيقلل من أي مجموعة أخرى، سواء كانت مستعربة أو مهاجرة أو مختلطة. كلهم سودانيين. لكن العدالة بتبدأ من الاعتراف بالظلم.
الاعتراف بالشعوب الأصلية ما محاولة لإعطاء أحد فوقية، ولا محاولة لخلق طبقة جديدة. الاعتراف بيقول ببساطة: “كلنا في السودان أصحاب حق… لكن في ناس اتنزع حقهم”. ومعرفة الحقيقة ما بتهدد الدولة، بل بتأسسها.
في النهاية، الاعتراف بالشعوب الأصليّة هو اعتراف بالجميع، مش بفئة واحدة. لأنو وقت تنكسر سلطة المركز ويختفي هرم الاعتراف، كل السودانيين بيوقفوا على أرض واحدة، وبيتساووا لأول مرة. دا الطريق الوحيد لسودان جديد، ما مبني على الخوف من الحقيقة، بل على مواجهتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.