صناعة الشرعيــة في زمــن الحــرب هــل اشتــرى الوقـت أم أعــــاد رســم مصـــيره؟

في زمن الحروب الطويلة، لا تعود الشرعية مسألة قانونية أو دستورية خالصة، بل تتحول إلى عملية سياسية معقدة، تُدار خارج ساحات القتال بقدر ما تُدار داخلها. وفي السودان، حيث طالت الحرب وتآكلت الدولة وتعثّر الأمل، جاءت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية بوصفها لحظة سياسية كثيفة المعاني، تتجاوز حدود البروتوكول، وتمس جوهر السؤال الأكبر::: من يملك شرعية إدارة السودان، وكيف، وإلى متى؟

لم يذهب البرهان إلى الرياض حاملًا مشروع سلام متكاملًا، ولا رؤية انتقال واضحة، بل ذهب وهو يواجه مأزقًا وجوديًا: حرب بلا حسم، وشرعية داخلية شبه منعدمة، وضغط خارجي متقلب، ومؤسسة عسكرية تبحث عن مخرج لا يبدو قريبًا. لذلك، فإن قراءة الزيارة لا تستقيم بوصفها حدثًا منفصلًا، بل كحلقة في مسار أوسع لإعادة التموضع، ومحاولة لصناعة شرعية في زمن الحرب، لا استعادتها.

توقــيت بالغ الحســاسية وسـلطة بلا سنــد داخـــلي

تأتي الزيارة في لحظة شديدة الهشاشة. فالسودان يعيش حالة استنزاف مفتوحة، لا طرف فيها قادر على الحسم العسكري، ولا مسار سياسي قادر على فرض نفسه. وفي المقابل، تتفاقم الأزمة الإنسانية، ويتراجع حضور الدولة، بينما يفقد الشارع ثقته في أي خطاب سلطوي لا يترجم إلى أفعال ملموسة.

 

في مثل هذا السياق، تصبح الزيارات الخارجية أدوات لإدارة الوقت أكثر من كونها مفاتيح للحل. والبرهان، الذي يدرك هشاشة موقعه الداخلي، بات يعتمد بشكل متزايد على الخارج لتعويض هذا الفراغ، أو على الأقل لتأجيل انفجاره.

لماذا الرياض؟ ولماذا الآن؟

لم يكن اختيار المملكة العربية السعودية اعتباطيًا. فالسعودية اليوم تمثل مركز ثقل إقليمي، وصاحبة مقاربة مختلفة في إدارة أزمات المنطقة، تقوم على الاستقرار طويل الأمد لا على دعم سلطات مؤقتة. كما أن للمملكة مصالح مباشرة في أمن البحر الأحمر، وفي منع تحوّل السودان إلى ساحة نفوذ لقوى إقليمية ودولية منافسة.

 

من هذا المنطلق، تحوّلت الرياض إلى شريك أساسي في ملف السودان، ليس فقط عبر منبر جدة، بل عبر سعي أوسع لإعادة ضبط الإقليم ومنع الانهيارات المتتالية. زيارة البرهان إلى السعودية أعادت طرح سؤال جوهري: هل نشهد انتقال مركز إدارة الملف السوداني من القاهرة إلى الرياض؟ سؤال بات حاضرًا بقوة في ضوء تراجع فاعلية المقاربة المصرية، وصعود الدور السعودي كوسيط وضامن محتمل.

من لغة المعركة إلى لغة الدولة

أحد أكثر المؤشرات دلالة بعد الزيارة كان التحول في خطاب البرهان. فقد ابتعد نسبيًا عن لغة التعبئة العسكرية، واتجه إلى خطاب إداري–مدني، يتحدث عن الأوراق الثبوتية، وتنظيم الخدمات، ومعالجة أوضاع المحتجزين، وإعادة انتظام مؤسسات الدولة.

هذا التحول لا يمكن فصله عن الرسائل التي حملها من الرياض. فالخارج، الذي يتعامل مع السودان اليوم بوصفه ملف استقرار، لا يريد سماع خطاب الحرب، بل يريد رؤية دولة تُدار، ولو بالحد الأدنى. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة بين الخطاب والمسار، بين اللغة الجديدة والواقع القديم.

حكومة التأسيس: قلب المعركة السياسية

في جوهر هذا الجدل، تبرز فكرة حكومة التأسيس بوصفها المحور الحقيقي للصراع، لا مجرد تفصيل سياسي. فالقوى المدنية، وفي مقدمتها تجمع صمود برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك، تطرح تصورًا متكاملًا لحكومة مدنية انتقالية كاملة الصلاحيات، تستند إلى خريطة طريق واضحة، وتؤسس لتحول مدني ديمقراطي فدرالي يعيد بناء الدولة من جذورها.

هذا التصور لا يقوم على إزاحة العسكر كشعار، بل على إعادة تعريف دورهم داخل الدولة، ووضع السلطة المدنية في موقع القيادة، مع معالجة اختلالات الحكم التاريخية، وعلى رأسها المركزية المفرطة، وتهميش الأقاليم، وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة.

 

توافق سياسي لا تحالف شكلي

اللافت في طرح حكومة التأسيس هو وجود توافق سياسي واضح بينها وبين تجمع صمود، ليس فقط حول مبدأ الانتقال، بل حول كيفية انتقال السلطة وكيفية إدارة الدولة السودانية خلال المرحلة الانتقالية. هذا التوافق يشمل شكل الحكم، طبيعة الدولة الفدرالية، دور الأقاليم، العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية، وأسس العدالة الانتقالية.

هذا الاتفاق السياسي العميق يميّز هذه المرحلة عن تجارب سابقة فشلت بسبب غياب الرؤية المشتركة. وهو ما يجعل حكومة التأسيس مشروعًا سياسيًا متكاملًا، لا مجرد رد فعل على الحرب.

السعودية والتحول المدني: استقرار عبر الديمقراطية

تشير مؤشرات متعددة إلى أن المملكة العربية السعودية باتت ترى في التحول المدني الديمقراطي مدخلًا ضروريًا لاستقرار السودان، لا تهديدًا له. فالدولة المدنية القابلة للحياة هي الأقدر على حماية الممرات البحرية، وضبط الحدود، ومنع تحوّل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.

من هنا، يمكن فهم اهتمام الرياض المتزايد بالتحول السياسي، لا بوصفه انحيازًا أيديولوجيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يحقق أمنها الإقليمي. وهو ما يضع البرهان أمام اختبار حقيقي: هل يتعامل مع هذا التحول بوصفه فرصة تاريخية، أم مجرد ورقة لكسب الوقت؟

مــأزق المصداقيـــة وتقــلب الخطـــاب

ما يضعف موقع البرهان بشكل كبير هو تقلب خطابه. ففي أكثر من مناسبة، تغيّر حديثه خلال أيام قليلة، خصوصًا بعد زيارات خارجية أو لقاءات مع أطراف إقليمية. هذا التذبذب يعكس غياب رؤية ثابتة، ويجعل أي تعهدات غير محمية بضمانات دولية عرضة للتراجع.

ولهذا، فإن القوى المدنية لا تراهن على الخطاب، بل على الآليات والضمانات، وعلى شراكة حقيقية في السلطة، لا وعود مؤقتة.

الرباعــية الدولـــية والضــمانات الممــــكنة

في ظل هذا التعقيد، تبرز الرباعية الدولية التي تضم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات بوصفها الإطار الأكثر قدرة على ضمان مسار انتقالي حقيقي. فدون رعاية دولية متماسكة، وتنفيذ صارم لخريطة الطريق، سيظل التحول المدني هشًا.

لحــظة اختــبار لا تحتـمل التأجيــل

في المحصلة، لم تكن زيارة البرهان إلى الرياض انتصارًا سياسيًا، لكنها لم تكن حدثًا عابرًا أيضًا. لقد فتحت نافذة، لكنها لم ترسم الطريق. اشترت وقتًا، لكنها لم تصنع مستقبلًا.

السودان اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية:
إما الانخراط الجاد في مسار تقوده حكومة تأسيس مدنية ديمقراطية فدرالية، بالشراكة مع تجمع صمود والقوى الثورية،
أو الاستمرار في إدارة أزمة تستنزف الدولة وتبدد ما تبقى من فرص الاستقرار.

وفي السياسة، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط السلطة، بل استمرارها بلا أفق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.