لم يصل النازحون إلى ولاية غرب دارفور حاملين معهم سوى ما تبقّى من خوفٍ في صدورهم، وذكرياتٍ ثقيلةٍ عن بيوتٍ أُغلقت على عجل، وحياةٍ انكسرت فجأة. وخلال الشهور الماضية، استقبلت الولاية أكثر من 50 ألف أسرة فرت من ولايتي الجزيرة والخرطوم هرباً من نيران الحرب وتداعياتها، لتجد نفسها في مواجهة مأساة إنسانية جديدة لا تقل قسوةً عن تلك التي تركتها خلفها.
ظروف قاسية وحكايات موجعة
تتكدس الأسر النازحة في أطراف المدن والأحياء الهشة، وتعيش أوضاعاً بالغة الصعوبة في ظل نقص الغذاء والمأوى، وعجز المنظمات الإنسانية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة. وتشتكي المؤسسات الصحية في الجنينة من ضغطٍ هائل على خدماتها المحدودة، بينما تتزايد أعداد الأطفال خارج مقاعد الدراسة، وأسرٍ كانت تعيش في عزٍ ورغدٍ وجدت نفسها اليوم على أرصفة الأسواق تمد يد العون طلباً للبقاء.
هي حكايات إنسانية يشيب لها الولدان، تتقاطع فيها الخسارة مع الخوف، والحنين مع القلق من مستقبلٍ غامض.
إحدى النازحات، في العقد الثالث من عمرها وأم لطفلين، روت لـ«عين الحقيقة» تفاصيل رحلتها القاسية من ولاية الجزيرة، محلية أم القرى شرقاً. تقول إن أسرتها لم تكن لها أي علاقة سابقة بقوات الدعم السريع، وإن الأوضاع كانت تسير بشكل طبيعي إلى أن دخلت قوات الدعم السريع مدينة ود مدني، حيث بدأت عمليات استنفار واسعة للشباب.
وتوضح أن الأوضاع ازدادت تعقيداً عندما تغيّرت التحالفات العسكرية، وانضم قائد قوات درع السودان، أبوعاقلة كيكل، إلى قوات الجيش، وبدأت تظهر نبرات اتهام وعنصرية من الجيران، وصلت حد التهديد المباشر.
شعرنا أن بقاءنا أصبح خطراً. قيل لنا إننا حواضن اجتماعية، وأن الموت قد يكون مصيرنا».
عندها قررت الأسرة المغادرة. خرجت المرأة لإبلاغ والدها في قرية مجاورة والاستعداد للرحيل، لكن عودتها كانت صادمة؛ إذ وجدت عدداً من أفراد أسرة زوجها قد قُتلوا، لتتحول لحظة الرحيل إلى فاجعة لا تُنسى.
تركناهم على الأسرة وهم جثث هامدة… ولم تكن الصدمة وحدها، بل الخوف أيضاً، خاصة بعد انقطاع الأخبار عن زوجي حتى اليوم».
غادرت الأسرة كل شيء خلفها: المنزل، والممتلكات، وحتى الذكريات، لتصل إلى الجنينة، حيث تتنقل اليوم من منظمة إلى أخرى بحثاً عن مساعدات إنسانية. وتقول بأسى:
الذين كانت لديهم إمكانيات ذهبوا إلى ليبيا… أما نحن فبقينا هنا».
وتضيف أن والدة زوجها، التي كانت تعيش حياة مستقرة، اضطرت للعمل في بيع الشاي داخل السوق لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
وفي السياق ذاته، تحكي نازحة أخرى في العقد السادس من عمرها، فرت من أم درمان إلى دارفور، قصة مختلفة في تفاصيلها، متشابهة في ألمها. تقول إن ابنها الأصغر كان يعمل مع قوات الدعم السريع، وإن زوجها اعتُقل في ظروف غامضة، قبل أن يتم اعتقال ابنها الأكبر أيضاً أثناء بحثه عن والده.
خفت على بقية أبنائي… أخذت الصغير وبناتي الاثنتين وغادرت فوراً».
ومنذ أكثر من عام، انقطعت أخبار الزوج والابن، ولا تعلم عن مصيرهما شيئاً. وتزيد معاناتها بإصابتها بمرض في القلب، في ظل غياب الرعاية الصحية اللازمة بمدينة الجنينة. وتؤكد أنها لا تنتمي لأي من القبائل المصنفة كحواضن اجتماعية، بل تنحدر من قبيلة تعيش في وسط السودان، لتجد نفسها فجأة في قلب صراع لا تعرف جذوره ولا نهاياته.
تجسد هذه الشهادات جانباً من واقع إنساني بالغ القسوة يعيشه النازحون الفارون من ولايتي الجزيرة والخرطوم إلى غرب دارفور؛ واقعٌ تتداخل فيه آثار الحرب مع ضعف الاستجابة الإنسانية وغياب الحلول المستدامة، ما يترك آلاف الأسر عالقة بين فقدان الماضي وغموض المستقبل.
في الجنينة، لا يطلب النازحون الكثير: وجبة تسد الجوع، ودواء يخفف الألم، ومدرسة تعيد الأطفال إلى حلمٍ مؤجل. لكن قبل ذلك كله، يطلبون الأمان. فمأساة التهجير القسري لم تسرق منهم بيوتهم فحسب، بل انتزعت الاستقرار من حياتهم، وعلّقت مصيرهم على أملٍ بأن تتوقف الحرب يوماً، ويعود الإنسان السوداني إلى وطنٍ لا يُجبر فيه على الهروب بجلده.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.