حكومة السلام والوحدة وصياغة العقد الفيدرالي المقدس

أ/ سليم محمد عبد الله

في مديح الركام.. ولادة «العنقاء» من رماد التيه

بينما تنام المدن على وسائد من قلق، وتستفيق على أصداء الجراح، تبرز في الأفق السياسي لحظة كونية تتجاوز مفهوم «التغيير» لتدخل في طور «الخلق». إننا لا نشهد مجرد إعادة ترتيب للمقاعد أو تدوير للوجوه، بل نحن بصدد عملية «تعدين وجودي» تستهدف استخلاص جوهر الدولة السودانية من تحت أنقاض الصراعات المتهالكة. إن تأسيس حكومة السلام والوحدة (تأسيس) ليس قرارًا إداريًا جافًا، بل هو «بيان استقلال ثانٍ» يُكتب بمداد من نور الصبر، وعرق المؤمنين بأن الفجر لا يولد إلا من رحم العتمة الأكثر حلكة.

هل يمكن للموت أن يُعلِّمنا كيف نحيا؟ وهل يمكن للدمار أن يكون المعمار الأول لدولة الحرية؟ نعم، حينما تصبح «الفيدرالية» خيارًا انتحاريًا ضد التجزئة، و«الديمقراطية» طوق نجاة أخيرًا قبل الغرق في لجج الفوضى. إن الرهان اليوم ليس على البقاء، بل على «كيفية» هذا البقاء.

مخاض الدولة: بين منطق «الغنيمة» وهيبة «المؤسسة»

لقد عانى الوجدان الجمعي السوداني طويلًا من متلازمة المركزية القابضة، تلك التي اختزلت الوطن في شارع، والشعب في حاشية. اليوم تتحرك حكومة السلام والوحدة كجراحٍ ماهر، يشرط جسد الأزمة ليستأصل أورام الإقصاء. إنها لحظة إعادة تعريف «السيادة»؛ فلم تعد السيادة هي القدرة على القمع، بل هي القدرة على الاحتواء. إنها «السيادة الرحيمة» التي تدرك أن قوة الدولة تكمن في تنوع أطرافها، لا في قبضة مركزها.

الفيدرالية: صلاة الثمانين بالمائة

في قراءة سوسيولوجية عميقة للواقع، نجد أن أكثر من 80% من الشعب السوداني لا يطالبون بالديمقراطية كترف فكري، بل يؤمنون بالتحول الديمقراطي الفيدرالي كـ«عقيدة خلاص». هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو «استفتاء وجداني» على هوية الدولة القادمة. الفيدرالية هنا ليست تقسيمًا للجغرافيا، بل هي عدالة في توزيع الأوكسجين السياسي، لكي تتنفس نيالا والخرطوم وبورتسودان وكادوقلي من رئتين متساويتين في الحقوق والواجبات.

إيقاع التحول: بطء النتائج وعظمة المقاصد

قد يبدو المسار وئيدًا، وقد يتساءل البعض عن ثمار لم تنضج بعد. لكن، في منطق التاريخ، البناء الذي يُراد له الصمود آلاف السنين لا يُشيَّد في ليلة وضحاها. إن خطوات التحول المدني، رغم ما يكتنفها من بطء ظاهري، هي خطوات «واثقة» تتحرك على أرض صلبة من المشروعية. إن البطء هنا هو «تؤدة الحكيم» التي تتجنب المنزلقات، وتحرص على أن تكون كل خطوة نحو الديمقراطية خطوة لا رجعة عنها.

حكومة السلام: السعي الحثيث في حقل الألغام

تعمل حكومة السلام والوحدة وسط حقل من الألغام السياسية، والعقبات التي يضعها سدنة الماضي. ومع ذلك، يظل سعيها حثيثًا، مدفوعًا بـ«إيمان راسخ» بأن النهايات لا تُنال إلا بالصبر على مشقات البدايات. إنها معركة إرادات، حيث يقف «منطق الدولة» في مواجهة «منطق الفوضى». الحكومة اليوم تمثل جسرًا يربط بين ضفتي اليأس والرجاء، وهي تدرك أن عبور هذا الجسر يتطلب توازنًا دقيقًا بين الحزم في إنفاذ القانون واللين في استيعاب التنوع.

الزلزال الإيجابي: الساحة السياسية على أعتاب الانفجار العظيم

الأيام القادمة لن تكون مجرد أرقام في التقويم، بل ستشهد «تحولًا تطوريًا» يقلب الطاولة على السيناريوهات السوداوية. هذا التطور لن ينحصر داخل الحدود الجغرافية للسودان، بل سيمتد كأثر الفراشة إلى المناطق المجاورة وبقية الأقاليم. إن السودان المستقر، الديمقراطي، والفيدرالي هو حجر الزاوية لأمن القارة، وأي نجاح في صياغة العقد الاجتماعي الجديد هنا سيُعاد إنتاجه كنموذج إلهام للمحيط الإقليمي بأسره.

ثالوث الكرامة: الحرية، العدالة، والمساواة

لا يمكن الحديث عن حكومة وحدة دون استحضار هذا الثالوث المقدس. إن الإيمان بهذه القيم ليس شعارًا يُرفع في التظاهرات، بل هو «بوصلة عمل» يومية. العدالة الانتقالية التي تنصف المظلوم دون غبن، والمساواة التي تلغي امتيازات العرق والقبيلة، والحرية التي تحمي الفرد من طغيان المجموع؛ هي الوقود الحقيقي لمحرك هذه الحكومة. وبدون هذا الثالوث، يظل أي تحول سياسي مجرد «تبديل للأغلال».

فلسفة الصمود: لماذا سينتصر هذا المشروع؟

ينتصر هذا المشروع لأنه يستمد شرعيته من «أنين الأرض» ومن أحلام الأجيال التي لم تعد تقبل بأنصاف الحلول. إن الوعي الجمعي الذي تشكل عبر سنوات الصراع قد نضج بما يكفي ليميز بين «السراب السياسي» و«المشروع الوطني الحقيقي». الحكومة اليوم ليست سوى صدى لهذا الوعي، وأداتها في ذلك هي «الشفافية» و«الالتزام الأخلاقي» تجاه التحول المدني.

تحديات وعقبات: ضريبة الانتقال التاريخي

نحن لا نبيع الوهم؛ فالعقبات ضخمة، والمتربصون كُثر. الأزمات الاقتصادية الموروثة، والجيوب المقاومة للتغيير، والتدخلات التي لا تريد للسودان أن يسترد عافيته، كلها صخور في طريق النهضة. لكن عظمة الشعوب تُقاس بقدرتها على تحطيم هذه الصخور وتحويلها إلى أحجار لبناء المستقبل. إن الإصرار على الوصول إلى «النهايات» الديمقراطية هو ما يجعل كل تضحية حالية استثمارًا رابحًا في بورصة التاريخ.

المستقبل: قراءة في آفاق الغد القريب

إننا نقف على أعتاب مرحلة «النضج السياسي». المشهد القادم سيعيد صياغة التحالفات بناءً على «البرامج» لا «الانتماءات». ستتحول المناطق التي كانت مسارح للصراع إلى واحات للتنمية الفيدرالية، حيث يقرر إنسان المنطقة مصيره ويدير موارده بنفسه تحت مظلة الوطن الواحد. هذا هو جوهر الفيدرالية التي ينشدها الـ80%؛ أن يكون الوطن للجميع، بالجميع، ولأجل الجميع.

الخاتمة: الفجر الذي لا يُخلف ميعاده

في ختام هذه القراءة العميقة، يبقى القول إن حكومة السلام والوحدة هي «سفينة نوح» السودانية في بحر مضطرب. قد تكون الأمواج عالية، وقد تكون الرياح عاتية، لكن الإيمان بالتحول المدني الديمقراطي الفيدرالي هو المحرك الذي لن يتوقف. إننا لا ننتظر السلام، نحن «نصنعه». ولا نرجو الوحدة، نحن «ننسجها».

سيذكر التاريخ أنه في هذا الزمان، ومن قلب المعاناة، نهض شعب قرر أن يطوي صفحة الانكسار ليفتح كتاب المجد، مؤمنًا بأن الحرية والعدالة والسلام ليست مجرد كلمات، بل هي «هوية» هذا النيل الذي لا ينحني، وهذا الشعب الذي لا يُقهر.

كلمة ختام:
إنها دعوة لكل القوى الحية، ولكل مواطن مؤمن بهذا التراب: إن التحول الكبير قد بدأ، والقطار غادر محطة التردد. فكونوا جزءًا من صياغة التاريخ، فالمستقبل لا ينتظر المترددين، والوطن لا يبنيه إلا المؤمنون بعظمته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.