نُذُر المواجهة في شرق السودان: استنفار في القضارف وقلق من «البوابة الإثيوبية»

تقرير: عين الحقيقة

يبدو أن حكومة بورتسودان قد بدأت عملياً في استشعار خطرٍ حقيقي يهدد خاصرتها الشرقية، فبينما تشتعل جبهات القتال بين الأطراف المتحاربة في إقليمي دارفور وكردفان، برزت ملامح تصعيدٍ جديد على الحدود السودانية – الإثيوبية.

 

ومنذ شهر ديسمبر الماضي، تراقب صحيفة ومنصة «عين الحقيقة» عن كثب هذا التحرك، الذي لم يعد مجرد تكهنات صحفية، بل تُرجم إلى قرارات سيادية وتوجيهات عسكرية صارمة، تزامنت مع تقارير تشير إلى تحركات مريبة في المناطق المتاخمة لإقليم النيل الأزرق، بغطاء إقليمي يثير الكثير من التساؤلات.

 

وفي تحرك يعكس حالة التأهب القصوى، وجّه والي القضارف، محمد أحمد حسن، بتهيئة كافة المعسكرات بمختلف المحليات لاستقبال المستنفرين وحشد المقاتلين. ولم يكن هذا التوجيه روتينياً، إذ جاء مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب أقصى درجات التعبئة لحماية الحدود الشرقية.

 

ويرى مراقبون أن دعوة الوالي لمواطني الشريط الحدودي للعب دور «قوة الدفاع والإسناد» تعكس قناعة لدى القيادة العسكرية التابعة لسلطة بورتسودان بأن الجيش السوداني قد يواجه جبهة استنزاف جديدة في الشرق، تهدف إلى تشتيت قواه وتعطيل خطوط إمداده الحيوية.

 

ولم يكن استنفار القضارف بمعزل عما يدور في إقليم النيل الأزرق، فقد كشفت تقارير، نقلها موقع «سودان تربيون» في 27 ديسمبر الماضي، عن مسؤولين رفيعي المستوى، أن الجيش السوداني يتحسب لهجوم وشيك تخطط له قوات الدعم السريع وحلفاؤها على مناطق استراتيجية، مثل «الكرمك» و«قيسان».

 

وتضمنت هذه التقارير إشارة صريحة إلى أن الهجمات المحتملة ستنطلق من داخل الأراضي الإثيوبية، وتحديداً من إقليم «بني شنقول قمز». وتؤكد المصادر أن قوات الدعم السريع، التي انسحبت في يونيو الماضي تحت ضغط العمليات العسكرية، وجدت في المناطق الحدودية ملاذاً لإعادة التمركز والتدريب، حيث تشير المعلومات إلى وجود أربعة مراكز تدريب داخل إثيوبيا مخصصة لهذه القوات.

 

وفي المقابل، لم تقف أديس أبابا صامتة أمام هذه الاتهامات المتزايدة، ففي بيان صدر في 26 ديسمبر 2025، أقرت الحكومة الإثيوبية بوجود عشرات المعسكرات العسكرية في إقليم بني شنقول قمز، لكنها وضعتها في إطار السيادة الوطنية والخطة الدفاعية.

 

ورغم نفي إثيوبيا التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا أن نبرة البيان حملت تحذيراً مبطناً، إذ أكدت أن هذه المعسكرات مجهزة بأحدث الأسلحة، ولن تتردد في التحرك إذا تعرض أمنها القومي للتهديد. هذا الموقف «الرمادي» تراه حكومة بورتسودان انحيازاً غير معلن لمشروع قوات الدعم السريع، خاصة في ظل التوتر المكتوم بين رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والقيادة الإثيوبية.

 

وعلى أي حال، لا يمكن قراءة هذه التحورات بعيداً عن التقارب «السوداني – المصري» الأخير، فزيارة الفريق البرهان إلى القاهرة، والبيانات الرسمية التي تلتها، عمّقت من هواجس أديس أبابا، التي ترى في هذا التحالف جبهة مضادة لمصالحها، خاصة في ملفات المياه والحدود.

 

الدكتورة أماني الطويل، مديرة برنامج أفريقيا بمركز الأهرام، لفتت في 19 ديسمبر الماضي 2025 إلى أن إثيوبيا تعمل على «تصعيد الشكوك» ضد مصر في الأوساط السودانية عبر حملات تضليل إعلامي.

 

وأشارت أماني إلى أن هذا «التحريض» ليس جديداً، بل هو امتداد لأجندات إقليمية تهدف إلى شيطنة الدور المصري وعزل السودان عن محيطه العربي، وهو ما وصفته بالخطر الذي يهدد مصالح البلدين معاً.

 

وبالكاد تجد حكومة بورتسودان نفسها اليوم أمام معادلة معقدة؛ فبينما تعزز تحالفها الاستراتيجي مع القاهرة لتأمين غطاء سياسي وعسكري، تواجه ضغوطاً متزايدة على حدودها الشرقية والجنوبية الشرقية.

 

بيد أن تحويل إقليم بني شنقول إلى قاعدة خلفية محتملة لعمليات الدعم السريع يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان. فهل تنجح التعبئة الشعبية في القضارف في صد الهجوم المحتمل؟ أم أن الجبهة الشرقية ستكون ساحة الصراع الكبرى، التي تتقاطع فيها نيران الحرب الأهلية السودانية مع حسابات القوى الإقليمية المتصارعة؟

الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة، وسط ترقب مشوب بالحذر لما ستسفر عنه التحركات العسكرية على تخوم الكرمك وقيسان.

 

يقف شرق السودان اليوم عند مفترق طرق بالغ الحساسية، حيث تتداخل الهواجس الأمنية الداخلية مع حسابات إقليمية معقدة، تجعل من أي شرارة محتملة تهديداً يتجاوز حدود الجغرافيا السودانية. وبين مساعي التحصين العسكري، وضبابية المواقف الإقليمية، وتنامي منسوب الاستقطاب، تبدو الجبهة الشرقية مرشحة لتكون إحدى أكثر ساحات الصراع خطورة في المرحلة المقبلة.

وفي ظل هذا المشهد المشحون، يظل مصير المنطقة رهناً بقدرة الأطراف المعنية على كبح الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، قد لا تقتصر تداعياتها على السودان وحده، بل تمتد لتعيد تشكيل توازنات الأمن والاستقرار في الإقليم بأسره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.