في مشهد يعكس اتساع دائرة الخطر التي تلاحق السودانيين العاملين في التعدين التقليدي خارج حدود البلاد، قُتل تسعة معدّنين سودانيين وأُصيب خمسة آخرون بجروح متفاوتة، إثر هجوم مسلح استهدفهم داخل أحد مناجم الذهب في جمهورية أفريقيا الوسطى، في واقعة أعادت إلى الواجهة المخاوف المتصاعدة من تكرار الانتهاكات بحق السودانيين في المناطق الحدودية مع استمرار حرب 15 أبريل 2023.
وبحسب إفادات حصلت عليها «عين الحقيقة» من ذوي الضحايا ومصادر محلية، نفذت دورية تابعة لقوات روسية هجومها، يوم الأحد الماضي، على مجموعة من الشباب السودانيين أثناء عملهم في مناجم الذهب بمنطقة «الصوصال»، ما أدى إلى مقتل تسعة أشخاص في الحال، وإصابة خمسة آخرين نُقلوا لتلقي العلاج داخل الأراضي الأفريقية الوسطى.
وقال محمد يوسف، أحد أقارب الضحايا، لـ«عين الحقيقة» إن المجموعة كانت تعمل في التعدين التقليدي بشكل سلمي، ولم تكن تحمل أي سلاح، قبل أن تتعرض لهجوم مفاجئ من دورية مسلحة أطلقت النار بشكل مباشر».
واستطرد يوسف أن الضحايا جميعهم من الشباب الذين لجأوا إلى التعدين بحثًا عن مصدر رزق، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية داخل السودان.
وأكدت أسر الضحايا أن جثامين القتلى لا تزال عالقة في مناطق قريبة من مواقع التعدين، وسط صعوبات في إجراءات الترحيل، ومخاوف من التعرض لمضايقات جديدة في حال محاولة نقلها عبر الحدود.
وفي حادثة منفصلة، أفادت أسر سودانية من مدينة أم دافوق بولاية جنوب دارفور بتعرض اثنين من ذويهم لتعذيب قاسٍ على يد قوات روسية، أثناء عودتهما من منجم «سن كيلو» بمنطقة «اندها» داخل أفريقيا الوسطى.
وقال قريب لأحد الضحيتين، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن الشابين أُوقفا عند نقطة تفتيش غير رسمية، وتعرضا لتعذيب شديد أدى إلى بتر أصابع من أيديهما، مشيرًا إلى نقلهما لاحقًا إلى مستشفى بمدينة «بيراو» لتلقي العلاج، حيث وُصفت حالتهما بالحرجة.
وتأتي هذه الحوادث ضمن سلسلة اتهامات متكررة لعناصر روسية، يُعتقد أن بعضها ينتمي إلى مجموعة فاغنر الروسية، بارتكاب انتهاكات بحق سودانيين يعملون في التعدين التقليدي على جانبي الحدود. وتشمل هذه الانتهاكات، وفق إفادات محلية، القتل خارج نطاق القانون، والاحتجاز القسري، والتعذيب، ومصادرة الذهب.
كما أفادت مصادر محلية بأن قوات روسية توغلت، الجمعة الماضية، داخل الحدود السودانية للمرة الأولى، حيث قامت بطرد عناصر من الشرطة التابعة لقوات الدعم السريع، إلى جانب موظفين إداريين، من منطقة «كركر» الواقعة على الشريط الحدودي المشترك بين البلدين.
وفي تعليق على الحادثة، قال خبير أمني سوداني، فضل حجب اسمه، لـ«عين الحقيقة»، إن ما يحدث يعكس فراغًا أمنيًا واسعًا على الحدود، واستغلالًا مباشرًا لمناطق التعدين التي تحولت إلى مسرح صراع بين أطراف مسلحة من جنسيات متعددة.
وأضاف أن وجود قوات أجنبية مسلحة خارج أي إطار قانوني واضح يزيد من احتمالات الاحتكاك الدموي مع المدنيين، خاصة في مناطق تشهد هشاشة أمنية وانعدامًا للرقابة»، مشيرًا إلى أن التعدين التقليدي بات أحد أخطر الأنشطة على المدنيين، في ظل غياب الحماية القانونية والأمنية».
من جهتهم، حذر مراقبون من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى تصعيد خطير على الحدود السودانية- الأفريقية الوسطى، مع احتمالات توسع رقعة العنف وازدياد أعداد الضحايا السودانيين.
وقال أحد المراقبين إن غياب موقف رسمي حازم، سواء من حكومة السلام «تأسيس» أو حكومة أفريقيا الوسطى، يشجع على تكرار الانتهاكات دون محاسبة».
وأكد مراقب آخر أن السودانيين العاملين في التعدين التقليدي أصبحوا الحلقة الأضعف في معادلة الصراع على الذهب، ويتحملون كلفة النزاعات الإقليمية وتضارب المصالح الدولية».
وطالبت أسر الضحايا ومنظمات محلية بفتح تحقيق مستقل وشفاف حول ملابسات مقتل المعدّنين وتعذيب آخرين، داعين إلى توفير حماية عاجلة للمدنيين السودانيين في مناطق التعدين، وضمان عودتهم الآمنة إلى داخل السودان.
كما دعت منظمات حقوقية إلى تحرك إقليمي ودولي للضغط من أجل وقف الانتهاكات، ومساءلة الجهات المسؤولة عنها، محذرة من أن الصمت إزاء ما يجري «يفتح الباب أمام مزيد من الجرائم بحق المدنيين العزل».
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم حالة السيولة الأمنية، يبقى مصير مئات السودانيين العاملين في التعدين التقليدي على الحدود مع أفريقيا الوسطى معلقًا بين مخاطر الفقر والحرب والانتهاكات العابرة للحدود، بينما تتزايد الأسئلة حول من يحمي المدنيين، ومن يضع حدًا لدورة العنف التي تحصد أرواحهم بصمت.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.