أمين الشؤون العلمية لجامعة الخرطوم … البروفيسور الذي قال «لا لا» حين صار الضمير تهمة

عمود: عين الحقيقة

لا يزال قطاع واسع من الرأي العام السوداني ينظر إلى استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم بعيونٍ ملتبسة، وكأن الرجل ارتكب فعلاً يستوجب الاتهام بالخيانة.

أي خيانة تحديدًا؟ هل هي خيانة الوظيفة لأنه رفض أن تكون الشهادة سلعة؟ أم خيانة للوطن لأنه أبى أن يفتح السجلات الأكاديمية أمام من يطلبها بلا وجه حق؟ الحقيقة، وببساطة، أنه فعل العكس تمامًا: تمسّك بأمانة المعرفة حين صار التمسّك بها مكلفًا.

الذين يسارعون لإطلاق الاتهامات ربما يختزلون الوظيفة العامة في «كرسي وختم»، ويظنون أن حيازة مفاتيح السجلات تخوّل لأي مسؤول أن يطوّعها لخدمة الفساد. غير أن البروفيسور اختار طريقًا آخر، طريقًا أكثر وعورة: قال «لا»، وفضّل مغادرة منصبه على أن يشارك في ما يراه تلاعبًا بمستقبل الأجيال.. وذلك موقف أخلاقي قبل أن يكون قرارًا إداريًا.

في بلادنا، بات من يمتلك مبدأً يُوصم بالخيانة، ومن يرفض الانحناء أمام منظومة الفساد يُتهم بأنه «خرج عن الصف». لكن الاستقالة الأخيرة لم تكن انسحابًا ولا هروبًا؛ كانت فعل مقاومة صامتة، قويًا بقدر ما هو هادئ. لم يرفع الرجل صوته، ولم يخُض معارك جانبية، بل اكتفى بأن يضع موقفه على الطاولة ويمضي. وهذا، على ما يبدو، ما أعاد تعريف الخوف لدى من يريدون تحويل الجامعة إلى مجرد «ورقة وختم».

قبل توجيه اللوم، يجدر بالمنتقدين النظر إلى الصورة الأشمل: الرجل وقف ضد كل مسار يمكن أن يُفضي إلى تخريج كوادر بلا كفاءة، في وقت تقف فيه الدولة على حافة الانهيار المؤسسي. فإذا انهار الضبط الأكاديمي، أي سند يبقى للقضاء؟ ومن يضمن المهنية في الطب والهندسة والتعليم؟

الخلاصة أن أمين الشؤون العلمية لم يكن خائنًا، بل كان وفِيًا لأشد ما تحتاجه البلاد اليوم: الضمير. أما الاتهامات المرتجلة فهي مجرد انعكاس لعجز أخلاقي ورغبة في التطبيع مع فسادٍ صار بنيويًا ومتجذرًا.

الدرس الذي يقدّمه موقفه واضح: في زمن الأعطاب العميقة، يصبح الوفاء للقيم أرقى أشكال المقاومة… ومن يرى غير ذلك، فالأجدر به أن يراجع ضميره أولًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.