ظهر أبو ذر الكودة، أمس، في مقطع فيديو محاطًا بمعلمي وموظفي مؤسسته التعليمية، في مشهد بدا واضح الغرض: مغازلة الرأي العام ومحاولة تحييده عن القضية التي أُدين فيها قضائيًا، عبر إظهار دعمٍ مطلق من العاملين لمؤسسهم وقائدهم. غير أنّ قراءة متأنية لما جرى تكشف أبعادًا أعمق تستحق التوقف عندها.
ما هي القضية؟
تتمثّل القضية في قيام أبو ذر بالتحايل على القانون المصري عبر إنشاء مراكز لتدريس المنهج المصري دون استيفاء الشروط والمتطلبات القانونية اللازمة. ومع نهاية العام الدراسي، وقبل يوم واحد فقط من امتحانات الشهادة المصرية، فوجئ أولياء الأمور والطلاب بعدم صدور أرقام الجلوس لما يقارب 470 طالبًا وطالبة.
بدلًا من تحمّل المسؤولية وجبر الضرر النفسي والمعنوي والمادي الذي لحق بالطلاب وأسرهم — وهو الحد الأدنى المتوقع من شخص يقدّم نفسه كـ«تربوي» — سارع أبو ذر إلى إنكار علاقته بهذه المراكز، مستخدمًا نفوذه وسلطته لمحاولة طمس الأدلة.
غير أنّ الوقائع كانت أوضح من أن تُخفى:
معظم الطلاب جرى تحويلهم من القسم السوداني داخل المؤسسة نفسها إلى القسم المصري.
أبو ذر عقد اجتماعات مباشرة مع الطلاب داخل هذه المراكز.
اجتماعات دورية أُقيمت مع أولياء الأمور بحضوره.
إدارة المراكز المصرية كانت جزءًا أصيلًا من إدارة المدارس السودانية التابعة للمؤسسة.
لم يكن إثبات هذه العلاقة أمام القضاء المصري أمرًا معقدًا، وقد نجح أولياء الأمور في ذلك. قال القضاء كلمته، وأدان أبو ذر بالسجن والتعويض.
ما بعد الحكم
عقب صدور الحكم، ظهر أبو ذر في فيديو جديد، محاطًا بالموظفين والمعلمين. غير أنّ اللافت لم يكن مضمون اللقاء بقدر ما كان ما غاب عنه: لم يناقش الحكم، لم يعتذر اعتذارًا علنيًا، ولم يقدّم مراجعة تربوية أو أخلاقية لتجربة قاسية دفع ثمنها مئات الطلاب.
بدلًا من ذلك، انصبّ التركيز على استعراض تأييدٍ مطلق — ومريب — من موظفين جرى توظيفهم كدرعٍ أخلاقي في مواجهة حكم قضائي، في مشهد يعكس انهيارًا عميقًا في منظومة القيم، خاصة في زمن الحرب والضيق المعيشي، حيث يُستغل الاحتياج لشراء الولاءات.
كان الهدف واضحًا: كسر الأثر الإعلامي للحكم، لا مواجهته بموقف مسؤول.
الموقف التربوي الوحيد الممكن- والأخلاقي- كان الاعتراف بالخطأ، والاعتذار، والاستعداد لتحمّل النتائج. أمّا الالتفاف والدوران، فلا يخدمان إلا صاحب الخطأ.
الرسالة الأخطر
الرسالة التي بعث بها أبو ذر من هذا الظهور مفادها:
«أنا والمؤسسة أكبر من الخطأ، وأكبر من القانون».
لم يكن الاجتماع مراجعة ولا إصلاحًا، بل عملية تلميع وتعبئة ولاء، جرى فيها توظيف العلاقة المهنية توظيفًا غير أخلاقي لمواجهة حكم قضائي نافذ.
ومن حيث لا يريد، أثبت أبو ذر أنّ مؤسسته- رغم لافتتها التعليمية- مؤسسة ربحية خالصة، لا تُقيم وزنًا حقيقيًا للتربية ولا للأخلاق ولا للقيم. كما كشف، بصورة مؤلمة، عن واقع بعض المعلمين الذين قُدّموا كمن لا يملكون الحد الأدنى من الاستقلال الأخلاقي، ولا ما يُغرس في عقول الطلاب من قيم.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
ما قيمة التعليم بلا أخلاق؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.