في الأسبوع الماضي، أصدرت محكمة جنح العمرانية في مصر حكمًا قضائيًا في القضية رقم (8871) لسنة 2025، قضى بحبس التربوي السوداني المعروف ومؤسس مدارس الكودة، أبو ذر مبارك علي الكودة، لمدة ثلاث سنوات، مع كفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه مصري لإيقاف التنفيذ مؤقتًا، بالإضافة إلى إلزامه بالتعويض المدني المؤقت. الحكم، الذي جاء بعد أشهر من المتابعة القانونية، أثار موجة واسعة من التفاعل، لاسيما عقب الظهور الأخير للكودة في مقطع فيديو أثار جدلًا كبيرًا بين أولياء الأمور والمراقبين السودانيين في مصر.
وفي السياق، أدانت المحكمة الكودة وثلاثة متهمين آخرين- سماح، إيهاب، ومهدي بتهم تتعلق بالنصب والاحتيال، بعد ثبوت قيامهم بإنشاء مراكز تعليمية لتدريس المنهج المصري دون الحصول على التراخيص المطلوبة.
وبحسب حيثيات الحكم، فإن المشروع الذي جرى الترويج له على أنه يوفر الامتحانات المصرية المعتمدة لم يكن مطابقًا للحقيقة والواقع، إذ تفاجأ أكثر من 470 طالبًا وطالبة بعدم صدور أرقام الجلوس قبل يوم واحد فقط من امتحانات الشهادة المصرية.
هذا الفشل، الذي مثّل صدمة كبيرة لأولياء الأمور، اعتبرته المحكمة استيلاءً على أموال الغير بطرق احتيالية، حيث جرى تحصيل مبالغ كبيرة مقابل خدمة تعليمية لم تكن موجودة بالأساس.
أثار ظهور الكودة، يوم أمس، في مقطع فيديو محاطًا بمعلمي وموظفي مؤسسته، تساؤلات واسعة حول سبب وجوده خارج السجن رغم صدور حكم بحقه.
ويعود ذلك إلى أن الأحكام في الجنح تكون قابلة للإيقاف بدفع الكفالة، ما يمنح المتهم الحق في البقاء طليقًا إلى حين الفصل في الاستئناف.
وطبقًا لقانونيين، فإن هذا الوضع لا يلغي الحكم، لكنه يمنح المتهم فترة مؤقتة لترتيب أوضاعه القانونية.. وفي حال أيدت محكمة الاستئناف الحكم لاحقًا، يصبح الحبس واجب النفاذ، ولا تغني عنه الكفالة.
فيديو الكودة الأخير الذي ظهر فيه محاطًا بعدد من المعلمين والموظفين الذين أعلنوا دعمهم غير المشروط- أثار موجة انتقادات حادة في الأوساط التربوية والسياسية والإعلامية السودانية في مصر، لا سيما اولياء امور التلاميذ والطلاب المتضررين.
الكاتبة ماريل محجوب، التي تابعت الملف منذ بدايته، وصفت الظهور بأنه «سقوط مستمر» وقالت في مقال نشر في عين الحقيقة:
كان ظهور الكودة محاولة واضحة لمغازلة الرأي العام وحرف الأنظار عن حكم قضائي نافذ. لم يناقش الحكم، ولم يعتذر، ولم يقدم مراجعة أخلاقية. ما حدث كان عملية تلميع وتعبئة ولاء، تُوظّف فيها العلاقة المهنية بصورة غير أخلاقية، في مشهد يعكس انهيارًا في قيم التربية.
وأشارت محجوب إلى أن الوقائع كانت أوضح من أن تُخفى: تحويل الطلاب داخل المؤسسة نفسها من القسم السوداني إلى المصري، وعقد اجتماعات مباشرة مع الطلاب، وتنظيم لقاءات دورية مع أولياء الأمور بحضور الكودة نفسه.
خبير تربوي مصري فضل عدم الكشف عن هويته- قال لـ”عين الحقيقة إن القضية تمثل “نموذجًا صارخًا لكيفية استغلال حاجة آلاف الأسر السودانية الفارة من الحرب.
الكودة قدّم نفسه كمنقذ تعليمي، لكنه لم يلتزم بالحد الأدنى من شروط الترخيص.. ما حدث ليس خطأ إداريًا… بل خلل تربوي وأخلاقي عميق، لأن مستقبل الطلاب تم الزجّ به في مشروع غير معتمد أصلاً.
وأكد أن وزارة التعليم المصرية لن تتهاون مع أي كيانات تعليمية تعمل خارج الإطار القانوني، خصوصًا تلك التي تستهدف الجاليات الأجنبية.
مراقبون سودانيون اعتبروا أن القضية تكشف أزمة أكبر تتعلق بانتشار كيانات تعليمية غير مرخصة تستغل ظروف الحرب واللجوء. وقال أحدهم:
الكودة استغل حاجة السودانيين في مصر للحصول على تعليم لأبنائهم. كثير من الأسر دفعت دم قلبها، لتكتشف لاحقًا أنها ضحية وعود وهمية.
ما حدث يُظهر جانبًا مؤسفًا من الواقع السوداني في الخارج: غياب الرقابة، واستغلال الحاجة، وتقديم الربح على أي قيمة تربوية.
بحسب مراقبين، فإن الرسالة التي حاول الكودة إيصالها من خلال ظهوره الأخير مفادها: أنا والمؤسسة أكبر من الخطأ… وأكبر من القانون.
لكن حكم جنح العمرانية جاء ليؤكد أن القانون فوق الجميع.. الظهور الأخير وفق كثيرين- لم يكن دليل قوة، بل علامة ضعف ومحاولة للهروب من مواجهة الحقائق.
تأتي القضية في ظل تشديدات واسعة تنفذها السلطات المصرية لضبط السناتر التعليمية” غير المرخصة، التي انتشرت بشكل كبير لخدمة آلاف الطلاب السودانيين… ومع غياب الضوابط، وقع الكثير من الأسر ضحية لاعتمادهم على كيانات تعليمية غير معترف بها.
تكشف قضية الكودة بكل جوانبها القانونية والتربوية والأخلاقية عن سؤال جوهري يتجاوز حدود مصر والسودان: هل يمكن للتعليم أن ينهض في بيئة تُباع فيها الثقة ويُشترى فيها الولاء؟
ومع اقتراب جلسة الاستئناف، يترقب أولياء الأمور والطلاب الخطوة القادمة… لكن المؤكد أن الجدل حول «الكودة» لم ينتهِ بعد، وأن سقوطه كما تقول ماريل محجوب «ما يزال مستمرًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.