دموع «ميارم» دارفور… صورة تختصر وجع الحرب وتفاصيل الفقد

عمود: عين الحقيقة

في مشهد يلخص وجع الحرب ومآلاتها القاسية، تجلس امرأة من مدينة الفاشر، من «ميارم» دارفور، مطأطئة الرأس تحت شمس الظهيرة الحارقة، تغطي وجهها برداءٍ خفيف يحمل ألواناً باهتة كأنما سُلبت منه الحياة. إلى جوارها أكياس من الدقيق والحبوب، لا تبدو أنها تجلب لها فرحاً أو طمأنينة، بل تزيد اللحظة ثقلاً، وتكشف حجم الألم الذي يعصر قلبها وقلب كل أم دارفورية مزّقتها الحرب وشردتها سنوات النزاع الطويل.

هذه المرأة الجالسة تصفها الذاكرة الشعبية الدارفورية بـ«حفيدة الميرم تاجا»، رمز الحكمة والكرامة بين نساء السلطنة- لا تبكي لعوزٍ وحده، ولا لرمق يسد جوع أطفال ينتظرونها، بل تبكي لأن الحرب نزعت الطمأنينة من روحها، وأخذت منها البيت والعائلة والأمان، وتركتها على قارعة المجهول تنشد سلاماً لا يأتي، وعدلاً غاب في زحمة الرصاص والدماء.

الصورة الملتقطة من قلب فاشر السلطان لا تحكي مأساة امرأة واحدة، بل وجع آلاف النساء اللواتي توزّعن بين معسكرات النزوح، وامتد بهن الشقاء على أرضٍ كانت يوماً عامرة بالطمأنينة. إنها حكاية دارفور التي تقاوم، وحكاية «ميارم» التي لم تفقد شموخها رغم ضراوة الجراح، لكنها تنحني اليوم تحت وطأة الفقد: فقدان الأحبة، وفقدان الدار، وفقدان اليقين.

الصحفي السوداني المعروف لقمان أحمد… الذي كرّس جهده للعمل الإنساني عبر منظمة «الملم دارفور للسلام والتنمية» يقف أمام هذه الصورة بوصف يشي بعمق التجربة ووجدان الإنسان.

يقول لقمان، وقد خبر تفاصيل المشهد ميدانياً: «طال الرجاء، وربما تبددت أحلام العودة إلى حيث أتوا، وأصبح الحصول على لقمة عيش تأتي من مجهول، غاية صعبة المنال». كلمات قليلة، لكنها تحمل نبرة الحداد وصوت الألم الذي يسكن هذه الأرض المنهكة.

وليس بعيداً عن المرأة التي تختبئ خلف سترها، تجلس أخريات يحدّقن في الفراغ، وكأنهن يرقبن مصيراً لا يملكن تغييره. جميعهن يختبئن خلف صمت ثقيل، يعكس حجم الانكسار الذي خلّفته الحرب؛ صمت لا يصرخ لكنه يوجع، ولا يحتج لكنه يئن. ومع ذلك، تبقى في العيون بذرة صمودٍ قديمة، صمود نساء عرف عنهن التاريخ أنهن يحملن الوطن في أطراف أثوابهن.

هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة؛ إنها وثيقة موجعة تحفظها الذاكرة السودانية، تذكّر بأن الحرب لا تنتصر على أحد، بل تترك خلفها أمهاتٍ ثكالى، وأطفالاً جائعين، وقلوباً مكسورة تبحث عن سلام طال انتظاره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.