الصمغ العربي السوداني .. سوق عالمي واعد وفرص مهدرة!!

تقرير ـ عين الحقيقة

تصاعد مؤخراً الاهتمام بمنتج الصمغ العربي، أحد أهم الصادرات السودانية التي تحقق عائدات مجزية للخزينة العامة من العملات الأجنبية.

ويتميز الصمغ العربي السوداني بميزات تفضيلية في السوق العالمية، حيث يمتلك السودان 30 نوعًا من أشجار الصمغ العربي.

ويصدر السودان الصمغ العربي الخام إلى فرنسا وأمريكا ودول أخرى بعائد لا يقل عن 150 مليون دولار سنويًا، مع فرص واعدة قد تصل إلى 3 مليارات دولار. لكنه لا يستطيع تصنيع هذه المادة التي يتولى المستورِد الأجنبي تصنيعها، ليجني منها أرباحًا طائلة، إذ تدخل في صناعات غذائية وطبية وغيرها.

وبرز الحديث مؤخرًا عن الصمغ العربي بعد تراجع صادرات السودان من المنتج إلى الأسواق العالمية، بسبب الحرب التي تشهدها البلاد، حيث سيطرت قوات الدعم السريع على كامل إقليم دارفور وإقليم كردفان اللذين ينتجان غالبية صادرات السودان من الصمغ العربي.

وعلى الرغم من تشكيل “تحالف تأسيس” المتحالف مع الدعم السريع حكومة في السودان، واستحواذه على مساحات واسعة من الأراضي التي تتوفر فيها الموارد الطبيعية، ومن بينها حزام الصمغ العربي، إلا أن حكومة تأسيس لم تفكر بعدُ في إنشاء نظام اقتصادي وتجاري يسهم في تسويق المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أهمية الصمغ العربي في الاقتصاد السوداني، مشددين على أنه سلعة حيوية واستراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها في السوق العالمية، شأنه شأن النفط والذهب.

ويقول د. إبراهيم عبد الله إن الغرض من تسليط الضوء على الصمغ العربي هو تنبيه الرأي العام المحلي حول تهريب الصمغ وتخريب الاقتصاد وانفلات الأمن، وأن الرسالة موجهة للسودان عامة ولمناطق الإنتاج خاصة.

وأضاف أن الرسالة الثانية موجهة للمستوى الإقليمي والدولي، ومفادها أن هذه السلعة الحيوية والاستراتيجية لن يجدوها بعد اليوم إلا بشق الأنفس وعبر سماسرة ووسطاء كثيرين غير معروفين وغير مضمونين، وبتكاليف مالية عالية وباهظة وفي فترة طويلة.

ويمتلك السودان كمية كبيرة من أشجار الصمغ العربي غير المستغلة، وأن الاهتمام بهذه السلعة الهامة يمكن أن يحقق فائدة اقتصادية كبيرة إذا اتجهت حكومة تأسيس إلى استغلالها.

ويبدو أن أهمية الصمغ بالنسبة للشركات الكبرى تمنعها من المزايدة السياسية، حيث يحتاج الأمر إلى آليات لضمان انسياب المنتج للأسواق بصورة آمنة وتحقيق الفائدة المرجوة لخدمة مواطني الأقاليم المنتجة.

ويوصي خبراء اقتصاديون الحكومة بإنشاء مؤسسات راسخة ونزيهة لتنمية الموارد وتحقيق الاستفادة المرجوة منها، خاصة عبر الاهتمام بالصمغ العربي وغيره من الموارد لتعزيز الفائدة الاقتصادية للسودان.

ويقول الخبير الاقتصادي د. أحمد التيجاني سيد أحمد إن الصمغ العربي يُعد واحدًا من أكثر الموارد السودانية مفارقةً؛ فهو محصول هامشي في حجمه، لكنه مركزي في قيمته الاستراتيجية. ورغم أن السودان ينتج ما بين 60–80٪ من الصمغ العربي العالمي، فإن منتجيه الذين يطُقّون الشجر في كردفان ودارفور والنيل الأزرق يظلون أفقر حلقة في السلسلة، بينما تتراكم القيمة في المركز، ثم في الخارج.

ويشير د. أحمد التجاني إلى أن الصمغ العربي يشكّل في السنوات الجيدة نحو 8–12٪ من قيمة الصادرات الزراعية، لكنه لا يتجاوز 3–5٪ من الناتج الزراعي الكلي. ومع ذلك، فإن أهميته تتجاوز وزنه النسبي، لكونه سلعة نقدية غير قابلة للاستبدال الصناعي بسهولة، ومرتبطة مباشرة بالعملة الصعبة.

ويضيف أحمد التجاني أن الاستهلاك المحلي أقل من 5٪، والتصدير الرسمي بين 35–50٪، بينما يتراوح التهريب بين 40–60٪. ويُفهم التهريب هنا بوصفه استجابة اقتصادية لخلل التسعير والاحتكار، لا ظاهرة أخلاقية معزولة.

ويكشف الخبير الاقتصادي أن المنتج يحصل على 10–15٪ فقط من السعر العالمي النهائي، بينما يحقق التاجر المحلي هامشًا محدودًا لا يتجاوز 5–10٪. أما المستفيد الأكبر داخليًا فكانت الدولة الريعية خلال العقود الماضية (الكيزانية من 1989 إلى الآن) عبر احتكار رخص التصدير وربط الصمغ بالعملة الصعبة وحماية شركات بعينها.

ويقول الخبير الاقتصادي التجاني إن شركات أوروبية، وعلى رأسها شركات فرنسية، تتربع على قمة سلسلة القيمة، مستفيدة من تحكمها في المواصفات الفنية وسلاسل الاعتماد والتسعير النهائي.

ويؤكد أحمد التجاني أن الصمغ العربي ليس مشكلة شجر، بل مشكلة دولة. فالمنتج لم يكن المستفيد داخليًا، ولا “الجلابي” في غالب الأحيان، بل تحالف الدولة الريعية مع الاحتكار التصديري. وأي مشروع اقتصادي ديمقراطي يبدأ من كسر هذا الاحتكار وإعادة توزيع فائض القيمة.

وينوه الخبير الاقتصادي بأن تحليل سلسلة قيمة الصمغ العربي يبيّن أن الخلل ليس تقنيًا ولا إنتاجيًا، بل بنيويًا وسياسيًا في المقام الأول. فالمنتج هو أساس العملية الاقتصادية، لكنه الحلقة الأضعف فيها، بينما تتركز القيمة في حلقات الاحتكار المحلية والخارجية. وقد لعبت الدولة الريعية خلال العقود الماضية دور الشريك في هذا الاختلال بدلًا من أن تكون أداة لتصحيحه، ما أدى إلى الفقر والتهريب وتعطيل فرص التصنيع والتنمية في مناطق الإنتاج.

ويوصي أحمد التجاني بأن إعادة بناء قطاع الصمغ العربي بعد الحرب تمثل فرصة استراتيجية إذا ما أُعيد تعريف دور الدولة من وسيط احتكاري إلى منظم عادل للسوق. ويتطلب ذلك كسر احتكار التصدير، وتمكين التعاونيات، والاستثمار في التصنيع المحلي، وربط المنتجين مباشرة بالأسواق الإقليمية والعالمية. ودون هذا التحول، سيظل الصمغ موردًا بلا سيادة، وستتكرر الحلقة نفسها بأسماء مختلفة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.