أثار تكرار إعلان قوات الدعم السريع عن إسقاط طائرات تركية متطورة من طراز «بيرقدار أكنجي» في ولايات كردفان ودارفور خلال الأشهر الماضية موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط العسكرية والأمنية، خاصة بشأن أسباب سقوط هذا النوع المتقدم من المسيرات، ومدى التطور الذي طرأ على قدرات الدفاع الجوي لدى الدعم السريع، إضافة إلى التكتيكات التي يعتمدها الجيش في تشغيلها داخل بيئة قتال معقدة وشاسعة.
وبحسب بيانات الدعم السريع، فقد تم إسقاط طائرات أكنجي في الفاشر وغرب كردفان ونيالا، في نمطٍ يُظهر- وفق خبراء- أن الطائرة باتت قابلة للاعتراض أكثر مما كان متوقعًا، رغم كونها من أحدث ما أنتجته الصناعات الدفاعية التركية في فئة الطائرات المسيّرة الثقيلة. ويرى محللون أن هذا التكرار لم يعد مجرد “صدف عملياتية”، بل يمثل مؤشرًا على تغير حقيقي في ميزان القوى التقنية على الأرض.
وتتفاخر تركيا عادة بنماذج أكنجي، التي تُعد من الطائرات الهجومية الثقيلة بعيدة المدى، إذ تجمع بين السرعة العالية والقدرة على حمل ذخائر متنوعة تشمل صواريخ جو- أرض دقيقة، وقنابل موجهة بالليزر، وذخائر انزلاقية. كما تتمتع الطائرة بتصميم يرفع من قدرتها على التحليق فوق الطقس السيئ والمرتفعات الوعرة، وهي ميزة يُفترض أن تمنحها أفضلية في مناطق مثل دارفور وكردفان.
وتعتمد أكنجي على منظومة اتصالات مشفرة عبر الأقمار الصناعية، إضافة إلى رادار متطور قادر على كشف الأهداف الأرضية المتحركة، وذكاء اصطناعي يسمح للطائرة باتخاذ قرارات محدودة عند فقدان الاتصال.
وتؤكد هذه الميزات- وفق الخبراء- أن إسقاطها لا يمكن أن يتم بسهولة، ما لم تتوفر لدى الطرف المقابل وسائل دفاعية معقدة أو نقاط ضعف تشغيلية أو ظرفية في طريقة تشغيل الجيش للمسيّرات.
وقال خبراء عسكريون لـ«عين الحقيقة» إن تكرار الحوادث لا يبدو عارضًا، بل يشير إلى خلل تكتيكي أو تشغيلي في طريقة اعتماد الجيش على المسيرات، أو إلى تطور أكبر مما هو معلن في منظومات الدفاع الجوي والدعم الإلكتروني لدى قوات الدعم السريع.
ويضيف الخبراء أن الدعم السريع بات يمتلك ما يبدو أنها منظومات دفاع قصيرة المدى قادرة على التعامل مع الطائرات غير المأهولة من الطبقة الثقيلة، وهو تطور لم يكن متوقعًا قبل عامين.
ويرى محللون أن الدعم السريع استثمر خلال العامين الماضيين في منظومات دفاع جوي صلبة، إضافة إلى أنظمة رصد وتشويش إلكتروني قد تكون أسهمت في تعطيل روابط الاتصال والملاحة الخاصة بالطائرة قبل استهدافها، وهو ما يفسر بقاء أجزاء كبيرة من حطام الطائرات في حالة شبه سليمة في عدة مواقع.
ويُرجح الخبراء، استنادًا إلى الصور المتداولة لحطام الطائرات في الفاشر ونيالا، أن عمليات الإسقاط تمت باستخدام صواريخ قصيرة المدى تعمل بالتوجيه الحراري أو الكهروبصري، وهي منظومات ظهرت سابقًا في معارك غرب البلاد وجرى تداول معلومات عن وصول دفعات جديدة منها عبر دعم خارجي محتمل.
تكرار إسقاط أكنجي يضع تركيا في موقف حساس، خاصة في ظل تقارير دولية تتحدث عن صفقات تسليح غير معلنة بينها وبين الجيش السوداني، رغم نفي أنقرة والخرطوم لأي تعاون عسكري رسمي.
ويؤكد خبراء أن ظهور الأكنجي في ساحات القتال السودانية يعزز فرضية وجود مستوى من الدعم التركي، سواء عبر التصدير المباشر أو عبر قنوات غير رسمية، ما يزيد من الضغوط على أنقرة في ملفات إقليمية.
ومع كل حادثة سقوط، تتجدد الأسئلة حول مدى فعالية المسيرات التركية في بيئة قتال مفتوحة ومعرّضة للتشويش، حيث تُعد كردفان ودارفور مناطق مثالية لاختبار قدرات الحرب الإلكترونية واستجابة الطائرات المسيّرة للتهديدات الأرضية المنخفضة الارتفاع.
في المقابل، يمثل تكرار سقوط أكنجي تحديًا واضحًا للجيش السوداني الذي كان يعوّل على المسيرات التركية لتعزيز تفوقه الجوي وخلق قدرة استطلاعية وهجومية مركبة.
ويرى محللون أن الجيش سيضطر إلى إعادة تقييم طريقة استخدامه للطائرات المسيرة، بما في ذلك الارتفاعات التشغيلية، ومسارات التحليق، وتوقيت الضربات، ووسائل الحماية الإلكترونية، وربما نوعية الذخائر المستخدمة.
ويشير مراقبون إلى أن الاعتماد المفرط على المسيّرات دون دمجها في منظومة دفاعية وهجومية متكاملة قد يجعلها عرضة للاستهداف، خاصة حين يتحرك الخصم نحو تحديث أدواته ووسائله التقنية.
تعدد حوادث إسقاط أكنجي يكشف، بحسب المراقبين، أن الحرب في السودان لم تعد مواجهة تقليدية، بل تحولت إلى سباق تقني بين طائرات مسيّرة عالية التطور من جهة، وقدرات دفاع جوي وحرب إلكترونية متعددة المصادر من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تتغير قواعد الاشتباك بوتيرة سريعة، بحيث يصبح التفوق مرهونًا بقدرة الأطراف المتحاربة على التجديد المستمر للتقنيات العسكرية وتوظيفها بفاعلية في ساحة معقدة مثل دارفور وكردفان.
ومع كل هذه التطورات، يبقى الثابت الوحيد أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر في حرب تتوسع تقنيًا وتتعمق ميدانيًا، بينما تتحول سماء السودان إلى ساحة اختبار كبرى للتقنيات العسكرية الدولية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.