هل ينتصر صوت المدنيين أخيراً ويوقف حرب السودان؟

تقرير: عين الحقيقة

مع دخول الحرب السودانية عامها الثالث، ومرور ألف يوم على اندلاعها في منتصف أبريل 2023، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة على المشهد الوطني: هل ينجح صوت المدنيين أخيراً في كبح جماح السلاح وفتح الطريق أمام السلام؟ سؤال يتزامن مع تصاعد ملحوظ في مواقف القوى السياسية والشبابية الرافضة لاستمرار الحرب، والداعية إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار والانخراط في مسار سياسي شامل.

في هذا السياق، برزت مبادرة الآلية الرباعية وخارطة طريقها المطروحة في 12 سبتمبر 2025 بوصفها إحدى أبرز الفرص المطروحة حالياً لإنهاء النزاع، حيث يرى مراقبون أن هذه المبادرة، إذا ما كُتب لها النجاح، قد تشكّل نقطة تحول في مسار الأزمة السودانية، خصوصاً في ظل الإرهاق الشعبي الواسع من الحرب وتداعياتها الكارثية.

وأكد رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي، بابكر فيصل، أن تنامي الوعي الشعبي الرافض للحرب يعكس إرادة واضحة لدى السودانيين لإنهاء الصراع، مشيراً إلى أن مبادرة الرباعية تفتح نافذة أمل حقيقية لوقف الحرب. وأعرب عن أمله في التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهّد لوقف دائم لإطلاق النار، وتتيح إطلاق مسار سياسي يعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة آثارها.

من جانبهم، وجّه أعضاء برلمان الشباب السوداني نداءً مباشراً للأطراف الحاملة للسلاح، دعوهم فيه إلى الاستجابة لرغبة السودانيين والسودانيات في استعادة حياتهم الطبيعية، والعودة إلى مسار التحول الديمقراطي الذي عبّرت عنه تطلعات ثورة ديسمبر 2018. واعتبر البرلمان أن استمرار الحرب يمثل قطيعة خطيرة مع آمال التغيير والسلام، ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.

وفي بيان أصدرته الأمانة العامة لبرلمان الشباب بمناسبة مرور ألف يوم على الحرب، دعت إلى تحكيم صوت العقل وتجنيب البلاد مخاطر التقسيم والانهيار الشامل، من خلال الانخراط الجاد في “خارطة طريق الآلية الرباعية” وتفعيل بنودها دون إبطاء، باعتبارها إطاراً عملياً يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

بدوره، دعا رئيس جبهة النضال الشعبي السوداني المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية وفعّالة على أطراف النزاع، من أجل الاستجابة لإرادة الشعب السوداني، وأكد أن استمرار الحرب لن يقود إلا إلى مزيد من الدمار والخراب، مشدداً على أن وحدة الصف الوطني والتضامن بين مختلف فئات الشعب يمثلان شرطاً أساسياً لتحقيق الأهداف الوطنية والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة.

وفي طرح يعكس رؤية نقدية لمسار الصراع، شدد القيادي بتحالف “صمود”، الدكتور بكري الجاك، على أن وقف الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر الحسم العسكري أو اختبار سرديات الأطراف المتحاربة، موضحاً أن أي انتصار عسكري even إن تحقق لن يضع حداً لدوامة الضغائن، بل قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة أكثر تعقيداً. ورأى الجاك أن الطريق نحو عقد اجتماعي جديد وتعافٍ سياسي ومجتمعي لا يمر عبر فوهات البنادق، بل عبر تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمات التاريخية التي فجّرت الحرب الحالية.

ودعا الجاك إلى وقفٍ فوري وغير مشروط لإطلاق النار وفق خارطة طريق الرباعية، تمهيداً لتهيئة المناخ لإطلاق حوار وطني واسع بين السودانيين، يتيح تبادل الآراء وبناء التوافقات بعيداً عن العنف والإقصاء.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تكشف فيه التقارير الدولية عن حجم مأساوي للأزمة الإنسانية، فبحسب الأمم المتحدة، نزح نحو 9.3 مليون شخص داخل السودان، فيما فرّ أكثر من 4.3 مليون إلى دول الجوار، ما فرض أعباءً هائلة على المنطقة، كما يواجه أكثر من 21 مليون سوداني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن ما يقرب من ثلث الشعب السوداني نزح خلال فترة الصراع، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.

أمام هذا الواقع القاتم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح صوت المدنيين، المدعوم بالإرادة الشعبية والضغط الدولي، في فرض السلام ووضع حد للحرب؟ أم يستمر السلاح في مصادرة مستقبل السودان؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.