نعيش في عصرٍ باتت فيه الصورة سيّدة المشهد، يُفترض أن توثّق كل لحظة، وأن تنقل كل أنين، وأن تكشف كل مأساة خلال ثوانٍ معدودة. لكن ما يحدث في السودان اليوم ينسف هذه القاعدة من جذورها، ويضعنا أمام حقيقة صادمة: هناك جحيمٌ لا تلتقطه عدسات الهواتف، ولا تتسع له نشرات الأخبار، ولا تحتمله تقارير المنظمات الدولية.
الحرب الدائرة ليست مجرد اشتباكاتٍ تُسمَع، أو انفجاراتٍ تُرى، بل حربٌ تُخفي وجهها الحقيقي بعيداً عن عيون العالم. وراء ما يُبث ويُنشر، تتوارى طبقاتٌ أخرى من الرعب، تدور في القرى المقطوعة عن شبكات الاتصال، وفي الأزقة التي أُغلقت أبواب منازلها على ساكنيها خوفاً أو جوعاً، وفي الأماكن التي لا يصلها صوت ولا يخرج منها خبر.
الكاميرا، مهما بلغت دقتها، تقف عاجزة أمام توثيق انكسار الروح.
هي ترصد الدمار، لكنها لا تلتقط ذلك الخوف الذي يسري في عروق المدنيين، ولا تُظهر نظرة العجز في عين أب فقد قدرته على إطعام أطفاله، ولا تسجل الصمت المهيب الذي يلف مناطق كاملة انقطعت عن العالم.
ما يجري يتجاوز الخيال البشري. قصصٌ من الألم والانتهاكات تجري بعيداً عن أي توثيق، تُروى همساً — إن رُويت — ثم تختفي في ثقبٍ أسود من النسيان. نحن أمام مأساة إنسانية تتآكل فيها الإنسانية ذاتها، حيث يتحول البشر إلى أرقام، والبيوت إلى قبور، والموت إلى “خبر عادي” لا يثير دهشة أحد.
العالم يرى القليل ويسمع أقل، ويظن أنه يعرف الحقيقة.
لكننا نحن أبناء هذه الأرض نعلم يقيناً أن الصورة ناقصة وأن الرواية مبتورة، وأن أهوال هذه الحرب أعمق من أي وصف لغوي وأقسى من أي مشهد بصري.
وفي ظل هذا التعتيم والعجز العالمي عن الفهم أو التحرك، لا نملك إلا أن نردد بقلوبٍ مثقلة بالوجع:
“ما خفي أعظم”… وما خفي لا يعلمه إلا الله، وهو الشاهد على جراحٍ قد لا تندمل، وعلى قصصٍ دُفنت مع أصحابها قبل أن تجد من يرويها.
لكِ الله يا سودان… في ما ظهر، وفي ما بطن وهو الأعظم هولاً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.