خريطة العالم تتحول إلى ساحات مواجهة لجماعة الإخوان المسلمين

تقرير : عين الحقيقة

من سوريا إلى باراغواي ومن الكرملين إلى البيت الأبيض تمثل جماعة الإخوان المسلمين واحدة من أكثر القضايا الأمنية والسياسية إثارة للجدل على مستوى العالم. ويظهر تتبع مسار تعامل الدول مع الجماعة خريطة معقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي مع حسابات السياسة الخارجية والضغوط المحلية مما أدى إلى ظهور ثلاث دوائر متباينة من المواقف.

الدائرة الأولى الحظر والتصنيف الإرهابي

في مقدمة هذه الدائرة تقف مصر مهد نشأة الجماعة عام 1928 والتي شهدت العلاقة بينها وبين الدولة تقلبات تاريخية عنيفة لتصل إلى نقطة اللاعودة في 2013 عندما أصدرت محكمة القاهرة قراراً بحل الجماعة وتصنيفها تنظيماً إرهابياً تبعه قرار حكومي رسمي في ديسمبر من العام نفسه. وشكل هذا القرار منطلقاً لحملة أمنية وقضائية واسعة وأصبح نموذجاً احتذت به عدة دول حليفة.

وفي السياق ذاته اتخذت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خطوة مماثلة في 2014 بإدراج الجماعة في قوائم المنظمات الإرهابية ضمن تحول إقليمي أوسع بعد الربيع العربي. ولحقت بهما ليبيا في 2019 وجزر القمر في 2023.

وعلى الصعيد الدولي كانت روسيا من أوائل الدول التي سلكت هذا المسار إذ قضت محكمتها العليا عام 2003 بتصنيف الجماعة إرهابية. وفي أمريكا الجنوبية أعلنت باراغواي في 2023 اعتبار الجماعة تهديداً للأمن والاستقرار الدوليين لتنضم إليها الإكوادور في ديسمبر 2025 بقرار رئاسي.

الدائرة الثانية الإجراءات التمهيدية والخطوات الجزئية

تتحرك الدول في هذه الدائرة بحذر أكبر مفضلة فرض إجراءات عقابية جزئية دون الوصول إلى حظر شامل. وتبرز الولايات المتحدة كنموذج معقد إذ بدأت إدارة سابقة في 2025 خطوات لتصنيف فروع الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية بينما اتخذت ولايات مثل تكساس وفلوريدا إجراءات على مستوى الولاية ما يعكس جدلاً داخلياً واسعاً.

وفي أوروبا تتصدر النمسا وألمانيا هذا التوجه. فقد حظرت النمسا منذ 2019 رموز وشعارات الجماعة وفتحت تحقيقات قضائية بحق شبكات مرتبطة بها. بينما ركزت ألمانيا على حظر جمعيات محددة ووضع كيانات رئيسية مثل المجتمع الإسلامي في ألمانيا تحت رقابة أمنية مشددة. وفي فرنسا تم في 2025 حل المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية للاشتباه في صلته بالجماعة.

وعربياً شهدت تونس تحولاً لافتاً بعد 2021 مع تراجع نفوذ الجماعة سياسياً وبدء ملاحقات قضائية لقياداتها وتشديد الرقابة على أنشطتها. وسبقتها البحرين بإدانة رسمية عام 2017 بينما تعود تجربة عُمان إلى 1994 مع اعتقالات لأعضاء متهمين بمحاولات زعزعة الاستقرار.

الدائرة الثالثة المراقبة والترقب

تضم هذه الدائرة قوى سياسية كبرى تفضل نهج المراقبة المشددة دون اتخاذ قرار الحظر الكامل. ويأتي في مقدمتها الاتحاد الأوروبي بمكوناته السبع والعشرين حيث تتفق مؤسساته الأمنية على اعتبار أنشطة الجماعة والجمعيات المرتبطة بها مصدر قلق أمني وفق دراسات بحثية حديثة. كما تتبع المملكة المتحدة سياسة مشابهة إذ أجرت مراجعة شاملة لأنشطة الجماعة في 2014 دون أن تنتهي إلى تصنيفها تنظيماً إرهابياً.

الصورة الكبيرة لماذا هذا التباين

يرجع التباين في المواقف الدولية إلى مجموعة من العوامل أبرزها الخلفية الأيديولوجية والأمنية حيث ترى بعض الدول أن الجماعة تمثل تهديداً مباشراً لاستقرارها ونظام حكمها. كما تلعب الكلفة السياسية والقانونية دوراً مهماً إذ تتحفظ دول ديمقراطية على الحظر الشامل بسبب متطلبات الإثبات القانونية وتأثير ذلك على الحريات العامة والعلاقات مع المجتمعات المسلمة. وتدخل اعتبارات السياسة الخارجية أيضاً في تشكيل هذه المواقف ضمن حسابات التحالفات الإقليمية والدولية.

الخلاصة
تشير هذه الخريطة العالمية إلى أن ملف جماعة الإخوان المسلمين لم يعد قضية إقليمية أو عربية فحسب بل تحول إلى شأن دولي معقد. وبين متطلبات الأمن وحسابات السياسة والقانون تظل سياسات التعامل مع الجماعة قيد التشكل المستمر مما يجعل مستقبلها مرتبطاً بتطوراتها الداخلية وبالتحولات الكبرى في موازين القوى والتحالفات الدولية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.