يعلم كل ذي عين أو أذن إلى أي مدى أصبحت الأجهزة الأمنية والعسكرية مطية لقادة الحركة الإسلامية، منذ لحظة التفكير في انقلابهم المشؤوم، مروراً بثلاثين عاماً من حكمهم الباغي العضوض، وحتى يومنا هذا. فالأدلة على قارعة الطريق وسابلة “الأسافير”، والشهود أحياءٌ من العسكريين والمدنيين، وآلاف الضحايا من المواطنين.
ولأن ما تشهده البلاد الآن ليس سوى حصادٍ وامتداد لجرائم الحركة الإسلامية، فقد كشف مقتل القيادي الإسلاموي “علي ديدان” -خلال مواجهات مع قوات الدعم السريع بمنطقة هبيلا في ولاية جنوب كردفان- عن حجم تمدد وسيطرة الحركة الإسلامية على مفاصل الأجهزة العسكرية والأمنية في البلاد.
ديدان، الذي شغل عدة مناصب سياسية وأمنية إبان نظام البشير، كان يشغل أيضاً منصب رئيس مجلس شورى “كتيبة البرق الخاطف” -أحد أذرع الكيزان الأمنية- وتقول سيرته المبذولة إنه تلقى دورات عسكرية وأمنية متطور، رغم ظهوره المتكرر كأحد القيادات السياسية للحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني.
وفي مشهد يبيّن حالة التداخل والتماهي ما بين أجهزة الحركة الإسلامية والكيانات العسكرية والأمنية القائمة، جاء نعي “كتيبة البرق الخاطف” لقائدها في خطاب مكتوب تصدّرته تسمية “القوات المسلحة السودانية”؛ مما يؤكد سيطرة “الكيزان” على العسكر وليس قتالهم تحت راية الجيش أو بجانبه. وهنا تطل الإجابات حول أسباب رفض قيادة الجيش لكل محاولات وقف الحرب؛ فالعقيدة العسكرية لديهم مهمتها “حماية النظام” لا “حماية الوطن”.
غير أن المفارقة التي حملها وصفُ نعي قوات العمل الخاص للقتيل ديدان بـ “أمير المجاهدين” داخل جهاز المخابرات العامة، كانت الأكبر والأخطر؛ إذ توضح بجلاء لا ريب فيه مدى تغلغل وسيطرة الكيزان على الأجهزة الأمنية والعسكرية التي يُفترض فيها القومية والنأي عن العمل السياسي.
إن تسييس الأجهزة العسكرية والأمنية من أخطر التحديات التي تواجه الدولة بمفهومها الحديث؛ ذلك أن هذه الأجهزة تمثل “عصب الدولة” والقوة المادية التي تحمي الدستور والحدود. وعندما تتحول من الولاء للوطن إلى الولاء للحزب أو الفرد، تبدأ مؤسسات الدولة في الانهيار؛ وهو ما نشهده الآن من تسارع نحو التلاشي والتشظي الذي يكتنف البلاد بأسرها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.