من «نحن الشعوب» إلى منطق القوة: كيف قُوض ميثاق الأمم المتحدة في حرب السودان؟

عمود: عين الحقيقة

حين كُتب ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، لم يكن مجرد وثيقة قانونية تنظم العلاقات بين الدول، بل إعلاناً أخلاقياً عالمياً وُلد من رحم حرب مدمّرة، وتعهد جماعي بألا يتكرر منطق الفوضى والدمار… ولهذا لم يبدأ الميثاق بعبارة «نحن الحكومات» ولا «نحن المنتصرون»، بل بعبارة ذات دلالة عميقة: «نحن الشعوب».

لم يكن هذا الاختيار لغوياً أو رمزياً فحسب، بل موقفاً سياسياً وأخلاقياً واضحاً، يؤكد أن الشرعية الدولية تُستمد من الإنسان وكرامته، لا من السلاح ولا من ميزان القوة.

لقد أُسست الأمم المتحدة لتكون مساحة جامعة، تتساوى فيها الدول كبيرها وصغيرها، قويها وضعيفها، على قاعدة القانون الدولي، واحترام السيادة، وحماية حقوق الإنسان، والسعي الجماعي نحو السلام والتنمية.

غير أن ما يشهده العالم اليوم، وما يجري على وجه الخصوص في السودان، يطرح سؤالاً مؤلماً حول مدى الالتزام الحقيقي بروح هذا الميثاق. فحرب أبريل لم تكن قدراً محتوماً، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية عميقة، لعبت فيها قوى الإسلام السياسي «الإسلاميين- الأخوان المسلمين» دوراً مركزياً في تقويض الانتقال المدني، وتغذية الاستقطاب، وإعادة إنتاج منطق العنف بوصفه أداة للسيطرة والعودة إلى الحكم.

لقد أسهمت هذه القوى، عبر تحالفاتها وتغلغلها داخل مؤسسات الدولة، في إضعاف المسار الديمقراطي، وتأجيج الصراع، وتقديم مصالحها الأيديولوجية الضيقة على حساب استقرار الشعب السوداني وحقه في السلام. وهنا يتجلى الخطر الحقيقي حين تُختطف الدولة، ويُستبدل منطق «نحن الشعوب» بمنطق «نحن القوة»، فتتحول الأوطان إلى ساحات صراع مفتوحة، ويدفع المدنيون دائماً الثمن الأكبر.

إن الانتقائية في احترام ميثاق الأمم المتحدة، والصمت الدولي إزاء انتهاكاته، وتحويل المبادئ إلى شعارات بلا أثر، كلها عوامل شجعت على الإفلات من المساءلة، وأسهمت في إطالة أمد المأساة السودانية. فالميثاق لا يُختبر في النصوص، بل في المواقف، ولا تُقاس قيمه في القاعات، بل في حماية الشعوب حين تتعرض للحرب والتهجير والانتهاك.

إن الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة اليوم هو دفاع عن حق السودانيين، وغيرهم من الشعوب، في دولة مدنية عادلة، وفي سلام لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالعدالة والمساءلة… واستعادة روح «نحن الشعوب» تعني رفض عسكرة السياسة، وتجريم استغلال الدين في إشعال الحروب، وتجديد الالتزام الدولي بنصرة الشعوب لا النخب المسلحة.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المجتمع الدولي: هل نملك الشجاعة للوقوف مع روح الميثاق، أم نسمح لمنطق القوة بأن يحدد مصير الشعوب؟؟؟
إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل السودان، كما ستحدد مصداقية النظام الدولي بأسره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.