بين القانون والمصير المجهول: حملة السلطات المصرية الموسعة تعيد معاناة اللاجئين السودانيين إلى الواجهة

تقرير: عين الحقيقة

تشهد مصر منذ نحو عشرة أيام حملة أمنية وإدارية وُصفت بأنها الأوسع منذ سنوات، تستهدف تدقيق أوضاع الأجانب المقيمين داخل البلاد، مع تركيز ملحوظ على الجاليتين السودانية، والسورية في ظل تشديد غير مسبوق على شروط الإقامة والوجود القانوني. وترافقت الحملة مع توقيفات ميدانية، ومراجعات موسعة للوثائق، وعمليات ترحيل بحق أشخاص لا يحملون إقامات سارية أو وثائق معتمدة.

مصادر ميدانية لـ«عين الحقيقة» إن الحملة تنفذها جهات مختصة عبر نقاط تفتيش ثابتة ومتحركة في مختلف أحياء القاهرة، إلى جانب مداهمات لمنشآت تجارية يديرها أجانب..

وقالت مصادر ميدانية لـ«عين الحقيقة» إن الحملة تنفذها جهات مختصة عبر نقاط تفتيش ثابتة ومتحركة في مختلف أحياء القاهرة، إلى جانب مداهمات لمنشآت تجارية يديرها أجانب، بدعوى عدم استيفاء الاشتراطات القانونية أو عدم التسجيل الضريبي. وأضافت المصادر أن الإجراءات شملت توقيف أفراد في الشوارع ووسائل النقل العامة، مع التحقق الفوري من الإقامات وبطاقات اللجوء.

وأفاد سودانيون مقيمون في القاهرة بأن بعض أقاربهم وأصدقائهم اختفوا لساعات أو أيام بعد خروجهم للعمل أو لقضاء احتياجات يومية، قبل أن يتبين لاحقاً احتجازهم في مقار أمنية تمهيداً لترحيلهم إلى السودان. ووصف متحدثون ما يجري بأنه «موجة مفاجئة وقاسية» أربكت حياة آلاف الأسر، لا سيما في الأحياء ذات الكثافة العالية للاجئين.

وطبقًا لمصادر مطّلعة تحدثت لـ»عين الحقيقة»، تستهدف إجراءات الترحيل فئات متعددة، من بينها من لا يحملون إقامة سارية، سواء من حاملي الجوازات أو المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دون بطاقات لجوء سارية، إضافة إلى أصحاب الأنشطة التجارية غير المرخصة أو غير المسجلين ضريبياً.

أصدرت الجالية السودانية في مصر تنبيهاً دعت فيه أفرادها إلى حمل الوثائق الرسمية بصورة دائمة أثناء التنقل، لتجنب المساءلة القانونية..

وأشارت المصادر إلى أن السلطات لا تطرح حالياً خيارات للتسوية أو التصالح، ما يرجّح اتساع نطاق الترحيل خلال الفترة المقبلة. وفي هذا الصدد، أصدرت الجالية السودانية في مصر تنبيهاً دعت فيه أفرادها إلى حمل الوثائق الرسمية بصورة دائمة أثناء التنقل، لتجنب المساءلة القانونية. وأكدت الجالية أن الالتزام بحمل الهوية يمثل مسؤولية فردية تسهم في حماية الحقوق وتقليل المخاطر، في ظل تشديد إجراءات التفتيش.

من جانبها، قالت السفارة السورية في بيان إنها تتابع أوضاع مواطنيها بالتنسيق مع الجهات المصرية، موضحة أن حملات التدقيق تُنفذ بصورة دورية وتشمل جنسيات متعددة. ودعت السوريين إلى تسوية أوضاعهم القانونية والالتزام بالقوانين المصرية، محذّرة من تداول معلومات غير دقيقة قد تضر بأفراد الجالية.

وفي موازاة الرواية الرسمية، عبّر ناشطون حقوقيون عن قلق بالغ إزاء ما وصفوه بالتعامل الانتقائي والمتعسف مع اللاجئين، ولا سيما السودانيين. وقال ناشطون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» إن الخوف من التوقيف بات يقيّد حركة آلاف الشبان ويعطّل أعمالهم اليومية، ما فاقم أوضاعهم المعيشية ودفع بعضهم إلى الاختفاء المؤقت أو تجنب الخروج من المنازل.

وأضاف الناشطون أن مصير أعداد كبيرة من الشباب السودانيين بات معلقاً بين الترحيل القسري والتعسف الإداري، في وقت تشهد فيه بلادهم حرباً طاحنة وأوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد. وطالبوا الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بالتدخل العاجل والضغط من أجل ضمان احترام مبادئ الحماية الدولية، وعدم إعادة اللاجئين قسراً إلى مناطق نزاع.

وجه ناشطون اتهامات مباشرة إلى السفارة السودانية بالتقاعس، بل وبالتواطؤ مع الحملات الجارية، على حد تعبيرهم. وقالوا إن السفارة، الخاضعة لسيطرة تيارات إسلامية، تعمل على إعادة الشباب إلى السودان وزجّهم في الحرب..

ووجه ناشطون اتهامات مباشرة إلى السفارة السودانية بالتقاعس، بل وبالتواطؤ مع الحملات الجارية، على حد تعبيرهم. وقالوا إن السفارة، الخاضعة لسيطرة تيارات إسلامية، تعمل على إعادة الشباب إلى السودان وزجّهم في الحرب إلى جانب الجيش السوداني والقوات المشتركة وكتائب البراء.

في المقابل، يرى مراقبون أن الحملة تأتي في سياق ضغوط اقتصادية وأمنية تواجهها مصر، وسعيها إلى تنظيم الوجود الأجنبي داخل أراضيها. إلا أنهم يحذرون من أن أي إجراءات لا تراعي البعد الإنساني والقانوني قد تفضي إلى تداعيات إنسانية خطيرة، وتضع القاهرة أمام انتقادات حقوقية متزايدة.

ومع استمرار الحملة واتساع نطاقها، يظل آلاف اللاجئين في القاهرة عالقين بين مقتضيات القانون ومخاوف الترحيل، في واقع يومي يزداد هشاشة مع غياب مسارات واضحة لتسوية الأوضاع القانونية.

وبينما تؤكد السلطات المصرية حقها في تنظيم الوجود الأجنبي داخل البلاد، تتعاظم الدعوات الحقوقية إلى مراعاة الأبعاد الإنسانية والالتزامات الدولية، لا سيما في ما يتعلق بحماية اللاجئين الفارين من النزاعات.

ويبقى مستقبل هولاء اللاجئين مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المعنية، محلياً ودولياً، على إيجاد مقاربة متوازنة تحفظ سيادة القانون دون المساس بكرامة الإنسان وحقه في الحماية، في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في المشهد الإقليمي الراهن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.