سلام بلا محاسبة؟ قراءة في تصريحات ياسر العطا

نورا عثمان

حين يقول الفريق ياسر العطا «لن نخشى المحاسبة»، تبدو العبارة للوهلة الأولى مطمئنة، وكأنها اعتراف متأخر بأن السلام لا يستقيم دون عدالة. لكن التمعّن في سياق التصريحات، وفي ما قيل وما لم يُقَل، يفتح بابًا واسعًا للشك لا للطمأنينة، ويجعل السؤال مشروعًا: أي سلام يُبشَّر به إذا كانت المحاسبة تُذكر بوصفها شعارًا لا التزامًا؟

ينفي العطا وجود أي ضمانات دولية بعدم المحاسبة مقابل تسليم السلطة للمدنيين، ويؤكد أن الجيش لا يخشى المساءلة «في حالة الحرب أو السلام». غير أن هذا النفي، في تقديري، لا يُغلق الملف بقدر ما يكشف عن بداية التملّص. فالتأكيد المتكرر على عدم إصدار تعليمات باستخدام أسلحة محرّمة دوليًا – مع وضع خطين تحت هذه العبارة – لا يجيب على الأسئلة الأوسع: ماذا عن النتائج على الأرض؟ وماذا عن الانتهاكات الموثقة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تُرتكب الجرائم دون “تعليمات مكتوبة”؟

الحديث عن عدم الخشية من المحاسبة يظل ناقصًا ما لم يُقرَن بآليات واضحة ومستقلة للتحقيق، وباستعداد فعلي لتسليم المتورطين – أيًا كانت رتبهم – إلى عدالة غير انتقائية. فالعدالة لا تُقاس بالنيات المعلنة، بل بالمسارات المؤسسية التي تمنع الإفلات من العقاب.

يشير العطا إلى الالتزام بما طرحته الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، والعمل على تحقيق الاستقرار، مع التشديد على عدم السماح بأي انتهاكات، وتقديم كل من يخرق القانون – من بقر بطون أو ذبح أو جز رؤوس – إلى العدالة. هذا الكلام، رغم حدّته، يظل أقرب إلى توصيف أخلاقي منه إلى برنامج عمل. فالسودانيون لا يحتاجون إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى إجراءات ملموسة توقف الجرائم وتُعيد الاعتبار لضحاياها.

السلام العادل، كما أراه، لا يولد من رحم التصريحات، بل من الاعتراف الصريح بحجم المأساة، ومن الفصل الواضح بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، ومن تمكين المدنيين من قيادة انتقال حقيقي لا يُفرَغ من مضمونه بشروط أو استثناءات. أما تحويل السلام إلى محطة عبور بلا محاسبة، فليس سوى تأجيلٍ لأزمة قادمة.

إن اختبار الجدية اليوم ليس في القول «لن نخشى المحاسبة»، بل في القبول بها حين تطرق الباب فعلًا. فالسودان لا يحتاج سلامًا يداوي السطح ويترك الجرح مفتوحًا، بل سلامًا يواجه الحقيقة كاملة، لأن العدالة المؤجّلة ليست سلامًا… بل هدنة هشّة على حساب الضحايا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.