لم تعد الحرب في البلاد شأناً داخلياً محضاً، بل تحولت إلى ساحة إقليمية مفتوحة تختبر فيها القوى المؤثرة حساباتها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية، في إقليم تتشابك فيه خطوط النفوذ، وتتصادم فيه مشاريع الإسلام السياسي مع مخاوف التفكك والإنفصال… وفي قلب هذا المشهد المعقد، برزت أدوار كل من المملكة العربية السعودية وتركيا بوصفهما فاعلين غير معلنين بصورة مباشرة، غير أن حضورهما ينعكس بوضوح في مسارات الصراع وتوازناته.
تُعد مجموعة الرباعية أحد المبادرات الدولية الهادفة إلى وقف الحرب وفتح مسار سياسي شامل في السودان… غير أن تعثّر المبادرة واستمرار القتال فتحا الباب أمام تساؤلات متزايدة حول حقيقة الموقف السعودي، وما إذا كانت المملكة قد أعادت ترتيب أولوياتها بعيداً عن الخطاب الدبلوماسي المعلن.
ويرى أستاذ في العلاقات الدولية- فضّل حجب اسمه- في حديثه لـ«عين الحقيقة»، أن السعودية لم تُعلن رسمياً تراجعها عن «الرباعية»، لكنها عملياً باتت تتعامل مع الملف السوداني من زاوية إقليمية أوسع… ووفق هذا التقدير، وجد ولي العهد السعودي نفسه أمام خيارين صعبين: إما تمدد التيارات الإسلامية، أو تصاعد النزعات الانفصالية التي تهدد وحدة الدول، وهو ما تعتبره الرياض الخطر الأكبر على المدى الاستراتيجي، لا سيما في ضوء تجارب اليمن وسوريا وليبيا.
ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن هذا الإدراك دفع السعودية إلى ترجيح دعم قوى مركزية، وعلى رأسها الجيش السوداني، باعتباره أداة للحفاظ على وحدة الدولة، حتى وإن كان ذلك يعني القبول الضمني بوجود نفوذ إسلامي داخل المؤسسة العسكرية.
واستطرد قائلاً إن التيارات الإسلامية السودانية استثمرت هذا القلق الإقليمي عبر تقديم صورة مضللة لصنّاع القرار في الرياض، تُظهر الجيش كجسم خالٍ من الإسلاميين، وتسوّق بعض القيادات السياسية والعسكرية على أنها بعيدة عن هذا التيار.
في المقابل، يقدّم مراقب سياسي قراءة أكثر حذراً، معتبراً أن السياسة السعودية لا يمكن اختزالها في دعم تيار بعينه، بل هي محاولة لإدارة توازنات شديدة التعقيد في إقليم مضطرب.. فالسعودية- وفق هذا الرأي- تخشى تفكك الدول أكثر مما تخشى صعود الإسلاميين، ما يدفعها أحياناً إلى دعم الجيوش النظامية بوصفها ضمانة لوحدة الدولة، لا تبنياً لأيديولوجيتها.
على الضفة الأخرى، يثير الدور التركي في الحرب السودانية جدلاً لا يقل حدة.. فمع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة وتحولها إلى عنصر حاسم في المعارك، برز اسم أنقرة بقوة، وسط اتهامات بدعم الجيش السوداني عسكرياً، في مقابل رواية تركية رسمية تؤكد أن ما يجري لا يتجاوز كونه تجارة سلاح مشروعة.
ويذهب محلل سياسي- فضّل عدم كشف هويته- في حديثه لـ«عين الحقيقة»، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن تركيا لا تتصرف كتاجر محايد، بل كدولة توظف صادرات السلاح ضمن حسابات سياسية وأيديولوجية.
ويؤكد أن مسيّرات «بيرقدار» تُشترى عبر قيادات عسكرية منتمية للتيار الإسلامي، مع طمس أي دليل على دعم رسمي مباشر، بما يسمح لأنقرة بالتحرك في المنطقة الرمادية بين البيع والانحياز.
ويرى المحلل أن مصالح تركيا في الاقتصادية في السودان ليست بالحجم الذي يجعلها تغامر بتدخل عسكري مباشر، لا سيما في ظل تشابك مصالحها مع قوى إقليمية كبرى، وعلى رأسها مصر.
فالسودان يُعد عمقاً استراتيجياً للقاهرة، وليس لأنقرة، وأي تدخل تركي واضح قد يعرقل مساعي تحسين العلاقات التركية- المصرية.
في المقابل، يشكك خبير أمني في فكرة «الحياد التجاري» التركي، مشيراً إلى أن توقيت تدفق العتاد المتطور، واستخدام الجيش السوداني لمسيّرات متقدمة مثل «أكنجي»، منح القوات المسلحة تفوقاً تكتيكياً في جبهات حساسة، من بينها وسط الخرطوم ومصفاة الجيلي.
وتابع أن هذه الوقائع تعزز الانطباع بوجود انحياز عملي، حتى وإن لم يُعلن رسمياً.
وتدعم هذا الرأي تقارير إعلامية إقليمية ودولية تحدثت عن دعم تركي غير مباشر شمل تسهيلات لوجستية وتسريع إجراءات التسليم والصيانة، في سياق سجل معروف لتركيا في استخدام صادرات السلاح كأداة نفوذ سياسي. غير أن مصادر دبلوماسية تركية تنفي ذلك، مؤكدة التزام أنقرة بالقانون الدولي، وحصر تعاملها مع السودان في إطار عقود تجارية قانونية.
لا يمكن فصل الجدل حول السعودية وتركيا عن السياق الأوسع للحرب السودانية، التي تحولت إلى مسرح صراع نفوذ تُدار فيه المعارك بأدوات غير معلنة. فالسعودية تسعى إلى تجنب سيناريوهات التفكك والانفصال، بينما تحاول تركيا الموازنة بين ترسيخ موقعها في سوق السلاح العالمي وعدم الانزلاق إلى مستنقع سياسي مكلف.
وبين رؤية ترى في التحركات الإقليمية انحيازاً محسوباً لقوى بعينها، وقراءة تعتبرها براغماتية اضطرارية في إقليم متفجر، يبقى السودان هو الخاسر الأكبر… فغياب تسوية سياسية شاملة، واستمرار الرهان على القوة العسكرية، ينذران بإعادة إنتاج الأزمة، مهما تبدلت حسابات اللاعبين الخارجيين أو اختلفت أدواتهم.
وتبدو «الرباعية» اليوم تحت اختبار حقيقي، فيما يقف الدوران السعودي والتركي عند مفترق طرق: إما الدفع نحو مسار سياسي يضع حداً للحرب، أو الاستمرار في إدارة الصراع بصمت، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على السودان والمنطقة بأسرها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.