في ظل الحرب المستعرة التي تشهدها البلاد منذ الخامس عشر من أبريل 2023، تصاعدت التحذيرات القانونية والحقوقية من خطورة الإجراءات الأمنية المتبعة حاليًا في الولايات التي يسيطر عليها الجيش، تحت مسمى ما يُعرف بـ«قانون الوجوه الغريبة».
وعلى الرغم من عدم توفر نص واضح للقانون المثير للجدل، إلا أن قانونيين يؤكدون أن القانون مطبَّق فعليًا في بعض الولايات، وقد أُدين بموجبه مواطنون من غرب السودان بتهمة الانتماء إلى حواضن قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش.
وأجمع خبراء قانونيون على أن هذه الممارسات ليست مجرد تدابير أمنية عابرة، بل تمثل إعادة إنتاج مشوهة ودموية لإرث استعماري بائد، يتم توظيفه سياسيًا لتكريس التمييز العنصري والجهوي.
واعتبر المحامي والمستشار القانوني إسماعيل أحمد رحمه أن ما يُطبَّق اليوم هو استدعاء لسياسات «قانون المناطق المقفولة» الذي سنّه الاستعمار البريطاني لعزل غرب السودان «دارفور، كردفان، والنيل الأزرق» عن المركز، خوفًا من تسلل أنصار الثورة المهدية.
ووصف رحمه النخب الحاكمة الحالية بأنهم «ورثة الإنجليز» أو «أولاد الأفندية» الذين يستخدمون أرشيف المخابرات الاستعماري لقمع المكونات الاجتماعية.
ورصد مفارقة دموية بين العهدين؛ ففي العهد الاستعماري، ورغم عنصرية القانون، كانت العقوبات تتسم بحد أدنى من «الرحمة»، إذ كانت تقتصر على الغرامة أو الترحيل إلى الأرياف بموجب تصاريح مرور.
أما في الواقع الحالي، وبحسب الخبير القانوني إسماعيل رحمه، فقد تحوّل الأمر إلى وحشية مطلقة، شملت إعدامات ميدانية، ودفنًا للأحياء، واعتقالًا في بيوت الأشباح، في انتهاك صارخ لكل القوانين السماوية والوضعية.
ومن زاوية قانونية إجرائية، فنّدت نفيسة حجر، نائب رئيس هيئة محامي دارفور لـ»عين الحقيقة، الأساس القانوني لهذه الممارسات، مؤكدة أن ما يُسمى بـ«قانون الوجوه الغريبة» ليس تشريعًا قانونيًا، بل «أوامر إدارية» صادرة عن ولاة الولايات، وتحديدًا في ولايتي الشمالية ونهر النيل، مشددة على أن هذه الإجراءات تفتقر إلى أي سند دستوري، إذ لا يملك الولاة سلطة التشريع.
وأوضحت حجر أن هذه الإجراءات جاءت ترجمةً لخطاب سياسي تحريضي، وقالت: «هذه الممارسات تُكرّس لخطابات الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق ياسر العطا، التي وصفت مكونات اجتماعية محددة في غرب السودان بأنها حواضن للدعم السريع، مما منح الضوء الأخضر للانتهاكات».
وحذّرت نائب رئيس هيئة محامي دارفور من المنزلق الخطير الذي دخلت فيه المؤسسة العدلية، مشيرةً إلى استجابة الجهاز القضائي في تلك الولايات للتوجهات السياسية، مما حوّل المحاكم من ساحات للعدالة إلى أدوات لشرعنة «الاستهداف على أساس الهوية».
وكشفت نفيسة حجر عن تحركات عملية لهيئة محامي دارفور لمواجهة هذه السياسات، باعتبار أن هذه الإجراءات تشكّل جريمة ممنهجة تُفتّت النسيج الاجتماعي، منوّهةً بأن فرق الرصد تعمل حاليًا على توثيق كافة حالات الإدانة والاستهداف القائمة على السحنة والقبيلة، إلى جانب الإعداد لإصدار تقرير مفصل يتضمن إحصائيات وأسماء الضحايا، لفضح هذه الممارسات أمام الرأي العام المحلي والدولي قريبًا.
ومع تصاعد الجدل حول «قانون الوجوه الغريبة»، يرى قانونيون أن مخاطبات ولاة الولايات الجماهيرية، التي دعت صراحةً إلى القبض على «الوجوه الغريبة»، أسست لواقع من التمييز العنصري والجهوي، يُعامَل فيه المواطنون على أساس سحناتهم وانتماءاتهم القبلية، لا على أفعالهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.