(188) ألف قضية.. (قضايا التعاون) تضع استقلالية القضاء السوداني أمام اختبار النزاهة
تقرير : عين الحقيقة
تشهد الساحة القضائية السودانية تصاعداً ملحوظاً في وتيرة المحاكمات المرتبطة بالتعاون مع قوات الدعم السريع، في ظل استمرار حرب منتصف أبريل التي اندلعت منذ العام 2023. وقد أصدرت محاكم في ولايات مختلفة خلال يناير 2026 أحكاماً متفاوتة تراوحت بين السجن لمدة طويلة والإعدام، استناداً إلى مواد في القانون الجنائي لسنة 1991 وتعديلاته، أبرزها المواد (26، 50، 51)، المتعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة وتقويض النظام الدستوري.

وزير الداخلية بحكومة السلام الفريق سليمان صندل حقار: ما يعرف بـحكومة بورتسودان شرعت في محاكمات “صورية” وتسييس القضاء لخدمة أغراض سياسية..
والاسبوع الماضي، قضت محكمة وادي حلفا بالسجن 15 عاماً على متهم أُدين بالتعاون مع قوات الدعم السريع عبر ترحيل مياه وبضائع منهوبة خلال العمليات العسكرية، بعد محاكمة اكتملت فيها إجراءات الاتهام والدفاع. وفي كوستي أصدرت المحكمة الجنائية العامة حكماً بالإعدام شنقاً حتى الموت تعزيراً على متهم ثبتت مشاركته مع قوات الدعم السريع في عملياتها، وفق ما أكده شهود الاتهام.
وكما أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة بالخرطوم شرق أحكاماً بالسجن 10 سنوات على متهمين اثنين، بعد إدانتهم بمعاونة قوات الدعم السريع وارتكاب جرائم شملت تقويض النظام الدستوري والجرائم ضد الإنسانية والسرقة. وتابعت صحيفة ومنصة عين الحقيقة ذات الاسبوع الماضي، في القضارف وعطبرة، صدرت أحكام مماثلة بالسجن 10 سنوات بحق مدانين آخرين، في قضايا أُشير إلى اكتمال بيناتها وحضور محامي الدفاع أثناء النطق بالأحكام.
وتؤكد النيابة العامة، عبر بيانات متتالية، أن هذه القضايا خضعت لإجراءات قانونية مكتملة، شملت التحريات والإحالة للمحاكم المختصة وسماع قضيتي الاتهام والدفاع، وأن الأحكام صدرت وفقاً للقانون وبحضور ممثلي الدفاع. وتبرز النيابة دور وكلائها في تمثيل الاتهام أمام المحاكم، بما يعكس بحسبها استقلالية المسار القضائي. وفي المقابل، فجرت تصريحات سياسية جدلاً واسعاً حول نزاهة هذه المحاكمات، وقال وزير الداخلية بحكومة السلام الفريق سليمان صندل حقار إن ما يعرف بـحكومة بورتسودان شرعت في محاكمات “صورية” وتسييس القضاء لخدمة أغراض سياسية، معتبراً ذلك انتهاكاً لاستقلاله. وأضاف سليمان صندل في تغريدة على منصة “إكس” أن غياب العدالة وسيادة حكم القانون كان من أسباب اندلاع الحروب، متعهداً بعدم تسييس القضاء في ظل حكومة السلام.
حصيلة الدعاوى المقيدة التي تجاوزت 188 ألف قضية، شملت متهمين أجانب صدرت بحق بعضهم أحكام بالإعدام
وفي سياق مواز إستقبلت النيابة العامة، بحكومة الامر الواقع التابعة لقوات الجيش، هذا الاسبوع وفداً إعلامياً تركياً رفيع المستوى في بورتسودان، حيث استعرضت النائب العام، رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في الجرائم والانتهاكات، حصيلة الدعاوى المقيدة التي تجاوزت 188 ألف قضية، شملت متهمين أجانب صدرت بحق بعضهم أحكام بالإعدام. وأكدت امتلاك أدلة مادية على دعم خارجي لقوات الدعم السريع، إضافة إلى عرض مفصل لجرائم العنف الجنسي وتجنيد الأطفال والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين والبنية التحتية.
وبين سرد النيابة لالتزامها بالإجراءات، وانتقادات سياسية تتهم بتسييس العدالة، يقف القضاء السوداني أمام اختبار بالغ الحساسية. في وقت يري فيه مراقبين ان المعادلة الصعبة تتمثل في تحقيق المحاسبة على جرائم جسيمة في زمن حرب، مع الحفاظ على استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة. بينما يري حقوقيون ان ترسيخ الثقة العامة يبقي مرهوناً بالشفافية، وتكافؤ الإجراءات، وابتعاد المنصات القضائية عن الاستقطاب السياسي، بما يصون سيادة حكم القانون في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.