في زمن الانكسارات الكبرى، لا يصعد المستبدون دفعةً واحدة، بل يتسللون فرادى: صغارًا في المنصب، كبارًا في الافتراء، يتقدّمون بخطى الوشاية لا بخطى الدولة. كان علي محمود واحدًا من هؤلاء؛ صوته أعلى من حجمه، وادعاؤه أوسع من تاريخه، وظلّه أطول من قامته.
لا يكذب لأنه مضطر، بل لأنه تعلّم باكرًا أن الكذب في دولة الكيزان يُكافأ ولا يُحاسَب. دأب على اختلاق الروايات، تنميقها، ثم دفعها إلى السوق السياسي بثقة من اعتاد أن تُفتح له الأبواب كلما أغلق عقله باب الحقيقة. وحين عجزوا عن استمالة الزعامة، استدعوا الإشاعة؛ وحين أفلسوا سياسيًا، راهنوا على النميمة.
ومن هذا المستنقع خرج الزعم الساذج بأن الناظر مادبو خاطب البرهان بعبارة استعطاف مبتذلة. زعم لا يحتاج إلى تفنيد بقدر ما يحتاج إلى تذكير بسيط: البرهان لم يكن ملاذًا ليستعطف، بل مأزقًا يستجدي الخروج. من لا يملك قرارًا لا يُستجدى، ومن لا يحفظ وعدًا لا يُؤتمن. فقد خرج الرجل من “البدرون” ذليلًا، ناكصًا، بلا حربٍ أوقفت ولا دماءٍ حفظت.
ومع ذلك، يتحدث علي محمود عن كرامة الرجال باستخفاف، وعن زعماء البقارة بلسان الساخر، كأن التاريخ دفتر ملاحظات، وكأن المجد حكاية تُروى في جلسة أمنية. الاستخفاف بكرامة الرجال لا يصدر عن قوة، بل عن جهلٍ يظن التاريخ هامشًا. والسخرية من زعماء البقارة ليست رأيًا، بل شهادة فقر أخلاقي.
وليعلم هذا الذي ساقه الفقر المعنوي قبل المادي إلى بلاط الكيزان، أن بندقية الهامش لم تتوحد حبًا في الحرب، بل كرهًا في الظلم. دارفور وكردفان والنيل الأبيض والنيل الأزرق لم تلتقِ على فوضى، بل على حسابٍ مؤجل طال انتظاره. والكيزان لم يشعلوا هذه الحرب عبثًا؛ أشعلوها لأنهم لا يعرفون حكمًا بلا نار.
وحين يتباكى “المستبد الصغير” على شهداء الريف اليوم، فهو ذاته من أرسلهم أمس إلى حروبٍ بلا معنى. يتناسون أن هؤلاء ماتوا في معارك صاغها جهاز أمنهم، قبل أن يدركوا أن الموت في سبيل محاصرة الحية واقتلاع رأسها، أهون من العيش في ظل سمّها الأبدي.
والمشهد الأكثر فجاجة أن يتحدث علي محمود عن السرقات، وهو ابن منظومة لم تترك خزينة ولا أرضًا ولا مؤسسة إلا ومرّت عليها يدها. أخطر اللصوص ليس من يسرق السيارات، بل من يسرق الأقلام ويوقّع القرارات. ثم يزيد الطين بلّة حين يحمّل المجتمعات ذنب الأفراد؛ فتحميل المجتمعات ذنب الأفراد حيلة العاجز حين يعجز عن تسمية الجناة.
ثم يأتي استعراضه الفج لمعرفة نظارات الرزيقات، كمن يقرأ التاريخ من الهامش ويظن أنه أحاط بالمتن. ناظر عموم ليس لقبًا موسميًا، بل ذاكرة تمشي على قدمين. ومحمود موسى مادبو ناظر عموم الرزيقات بحق التاريخ لا بضجيج المنابر، واللقب لم يكن يومًا لعبةً تُدار بالتلميح.
لكن هذه لم تعد معركة قبيلة؛ إنها معركة ريفٍ ضد مركزٍ أسرف في الغرور. جند الريف كسروا أنف المركز ومرّغوا كبرياءه بالتراب، ومع ذلك ما زالت القيادة تمسك بالزمام، لا خوفًا ولا خنوعًا، بل خشية أن تنفلت الرحى فتتحول الحرب إلى أهلية. فما زال في الصدر متسع للصبر والحكمة.
أما إن كان ثمة منّة، فالهامش هو صاحبها، لا من عاش على عطاياه. الهامش لم يطلب المنّة، لكنه يملك حق الحساب. فلولاه لما حكمت نخب المركز السودان سبعة أيام، فضلًا عن سبعين عامًا عجافًا.
وهكذا، سقط المستبد الصغير لا بضربة خصومه، بل بثقل أكاذيبه. ظن أن التاريخ يُدار بالإشاعات، وأن كرامة الرجال مادة قابلة للتداول، فإذا بها خطًا أحمر… وإذا به أول من تجاوزه، وأول من دُهِس تحته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.