باقة ورد!!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
الحمد لله الذي بلغنا رمضان أعاده الله على السودان بالأمن والسلام والاستقراركل عام أنتم والوطن بخير !!
وفي الوقت الذي ذكر فيه تقرير بصحيفة الشرق الأوسط تراجع القتال البري في السودان، مع تصاعد استخدام المسيّرات بين الجيش وقوات الدعم السريع، والتي تسفر عن هجمات على المدنيين والمستشفيات في سنار، وتسببت بخسائر بشرية ومادية؛
وما قالته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في السودان إنّ المدنيين في ولايات دارفور وكردفان يواجهون مخاطر حماية متزايدة جراء استمرار الاشتباكات والغارات الجوية وتدهور الأوضاع الأمنية، مما يعيق الوصول إلى المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة.
وأشارت إلى نزوح أكثر من 215 ألف شخص منذ أواخر أكتوبر 2025، ويعاني كثير منهم من نقص الغذاء والمياه الآمنة وخدمات الرعاية الصحية والمأوى.
مع هذه الأخبار المؤسفة، تقرأ أن الفريق عبد الفتاح البرهان يفتتح معرض الزهور في الخرطوم، كواحد من مناسبات رفاهية الموت في زمن الحرب، ولا تدري إن كان الخبر يتحدث عن رئيس المجلس الانقلابي عبد الفتاح البرهان أم عن الأمير ألبير الثاني أمير موناكو، تلك الرقعة السياحية الساحرة التي تُعدّ واحدة من أغنى الدول الأوروبية بأعلى نسبة دخل للفرد.
والخبر يقول: في مشهد يجسد عودة الحياة الطبيعية إلى قلب العاصمة، شرّف رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، فعاليات اليوم الختامي لمعرض “شتلة” للزهور بحدائق مارينا بالخرطوم.
وحسب الخبر، فإن البرهان قام بجولة بين الزهور والجمال، وطاف على أجنحة المعرض المختلفة، ووقف على المعروضات والمشاركات المتنوعة من مشاتل ومنتجين وخبراء في مجال الزهور ونباتات الزينة. وأبدى سيادته إعجابًا بمستوى التنظيم والمشاركة، معتبرًا أن المعرض يمثل رسالة قوية بأن الخرطوم تستعيد عافيتها وجمالها تدريجيًا!!
ومن آخر عبارة: أن الخرطوم تستعيد عافيتها، تتجلى خطة الحكومة في محاولاتها المضنية للتركيز على فصل العاصمة الخرطوم عن ميدان الحرب، وبتر جذور المشاعر والإحساس بالمواطن في المدن الأخرى.
وهذه استراتيجية تُستخدم لإظهار أن “الحكومة تعمل في محيطها وتُلقي عن عاتقها مسؤولية جزء كبير من البلاد يعيش في كارثة.
والبرهان، في الوقت الذي وقف فيه “وسط الزهور متصوِّرً” في قلب عاصمة تُزيَّن بالفل والجوري، يحمل شعبه “كل الجراح وأحزان اليتامى”، وتُدفَن في دارفور طفولةٌ كاملة تحت الركام والجوع، وطيرانه يقتل الأبرياء.
فالرجل بدلًا من أن يذهب ليقدم واجب العزاء في ضحايا طيرانه من المواطنين العزّل بكردفان، ذهب ليستنشق رائحة الزهور.
ويبدو أن الحكومة تجتهد في محاولة التركيز على جعل الحياة طبيعية فقط لإخفاء حجم المأساة في دارفور والمناطق المتضررة، وخلق سردية بديلة أمام الإعلام الداخلي والخارجي الذي يعكس حقيقة المأساة. كما أنها، وفي ذات الوقت، تريد أن تخفف بهذا الفصل الرمزي الضغط الدولي وترفع عنها الحرج السياسي، ومحاولة إظهار أن الأزمة ليست وطنية شاملة، وتصويرها على أنها مجرد نزاع محلي.
وليست القضية في معرض الزهور، أو سكان الخرطوم الذين من حقهم استنشاق روائح طيبة بدلًا عن رائحة البارود والجثث، ولكن المفارقة الأخلاقية في الفصل الرمزي بين الخرطوم ومناطق الحرب، والصورة الحقيقية التي تجسد رغبة الحكومة في فصل السودان إلى بلدين:بلد تُلتقط فيه الصور مع الزهور، وبلد يموت فيه الأطفال.
والبرهان بحضوره للمعرض يتجاهل مأساة إنسان دارفور وكردفان الذي ينهشه الجوع والمرض، ويختار أن يحتفل بالزهور في الخرطوم، مشهد استفزازي، سيما لسكان الفاشر الذين وعدهم بالعودة إلى ديارهم، في مدينة ما زالت تحت النار.
وبينما ينتظر الناس الغذاء والدواء ليبقوا على قيد الحياة، يقدّم لهم مشهدًا احتفاليًا باردًا، كأنّ الألم في دارفور مجرد هامش يمكن تغطيته بباقات ورد.
وكأنّ دماءهم قابلة للطمس بديكور موسمي، ولسان حاله يقول للمواطنين: تجاهلوا جوعكم ومرضاكم، وانسوا الحرب، واحتفلوا بعيد الحب!!
طيف أخير:
أعلنت وزارة الصحة بولاية الخرطوم عن تزايد معدلات الإصابة بالأوبئة وأمراض الطفولة في محليات الولاية السبع، في ظل أوضاع صحية معقدة ناجمة عن استمرار الحرب وتأثيرها على النظام الصحي والخدمات الطبية.
فالبرهان بدلًا من أن يرسل رسالة بمعرض الزهور، كان يجب أن يرسلها بإعلان الخرطوم خالية من الأوبئة

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.