عنتبي… حين دقّت «تأسيس» أبواب السياسة من بوابة المهجر

بقلم / عماد أبكر جدو

في التاسع عشر من فبراير بمدينة عنتبي الأوغندية، لم يكن لقاء السيد محمد حمدان دقلو بالجالية السودانية مجرد فعالية خطابية عابرة، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والمجتمع في لحظة مفصلية من تاريخ السودان.
اللقاء الذي ضم أعدادًا كبيرة من المهجرين بسبب حرب 15 أبريل، مثّل طيفًا واسعًا من السودانيين والسودانيات، من الشباب والنساء، في مشهد عكس حجم المأساة وحجم التطلع في آنٍ واحد. وتشير السجلات الأوغندية إلى أن عدد السودانيين في يوغندا يفوق مائة ألف مهاجر مسجّل، إلى جانب نحو ثمانين ألفًا خارج السجلات الرسمية، ما يجعل من هذه الجالية واحدة من أكبر التجمعات السودانية في الإقليم.
تحدّث في اللقاء وزير الخارجية ورئيس الوزراء ونائب الرئيس، قبل أن يختتم السيد الرئيس بكلمة ركزت على هموم الجالية: التعليم، الصحة، والأوراق الثبوتية. كما تقدّم الأستاذ نجم الدين متحدثًا باسم الجالية، شاكرًا حكومة وشعب يوغندا على حسن الضيافة، في لفتة أكدت عمق العلاقة بين الشعبين.
غير أن اللحظة السياسية الأبرز تمثلت في دعوة دقلو للأحزاب السياسية للعودة “معززة مكرمة” إلى السودان، وبالتحديد إلى مناطق سيطرة قوات “تأسيس”، لممارسة العمل السياسي على أرض الواقع. هذه الدعوة، في ظاهرها، تعكس ثقة قيادة “تأسيس” في مشروعها لبناء سودان جديد قائم على التنوع والتعدد، لكنها في جوهرها تضع القوى السياسية أمام اختبار حقيقي.
فالخطاب السائد لدى بعض الأحزاب ظل يربط المشاركة السياسية بوقف الحرب أولًا، والانسحاب من الميدان تمهيدًا للعمل المدني. غير أن الواقع، كما تراه قيادة “تأسيس”، يقول إن العمل السياسي لا يُبنى في الفراغ، بل في قلب المجتمع، وسط الجماهير التي أعادت تموضعها حول ميثاق “تأسيس” والدستور الانتقالي لسنة 2025م، الذي يطرح سؤال “كيف يُحكم السودان؟” بدلًا من سؤال “من يحكم السودان؟”.
لقد أضاعت بعض الأحزاب – بحسب هذا الطرح – فرصتها الأولى حين ترددت في الانخراط في إدارة المناطق المحررة، رغم الورقة التي قدمها تحالف “تقدم” سابقًا بشأن تشكيل إدارات مدنية. بل إن بعضها شنّ هجومًا على كوادره التي عملت في الخرطوم والجزيرة، بحجة تصنيف تلك الإدارات كامتداد لقوات الدعم السريع، متجاهلة المسؤولية الاجتماعية التي تحمّلتها تلك الكوادر في خدمة أهلها. والنتيجة كانت إضعاف العمل الجماهيري وفتح الباب لابتزاز سياسي أعاد إنتاج خطاب “حرب الكرامة”.
اليوم، تبدو الدعوة بمثابة فرصة ثانية. فـ«سودان ما قبل الحرب» – كما قال دقلو – لن يعود، لا سياسيًا ولا إداريًا. الكرة الآن في ملعب القوى السياسية: هل تنزل إلى الميدان وتخوض غمار إعادة البناء، أم تظل أسيرة حسابات الانتظار؟
وفي هذا السياق، نرى أن الخطاب وحده لا يكفي. لذا نتقدم بمقترح إلى السيد رئيس مجلس الوزراء بإنشاء “صندوق دعم الديمقراطية”، يُموّل من الموارد المحلية، ويستفيد كذلك من دعم المراكز الدولية المعنية بترسيخ العمل المدني، سواء في الاتحاد الأوروبي أو الاتحاد الإفريقي. صندوق يقوم على الشمول والشفافية والمشاركة، ويدعم الأحزاب التي تعمل على رفع قدرات منسوبيها في مناطق سيطرة “تأسيس”، عبر برامج واضحة تُصاغ بالشراكة مع تلك الأحزاب نفسها.
فالدولة السودانية الجديدة لن تُبنى بخطابات النوايا، بل بمؤسسات تُحصّن الممارسة السياسية من الفوضى والهيمنة المركزية والبلطجة التي وسمت عهودًا سابقة. إن تأسيس عمل حزبي ناضج في الميدان هو الضمانة الحقيقية لتحويل مشروع “تأسيس” من واقع عسكري إلى واقع مدني ديمقراطي.
لقاء عنتبي لم يكن مجرد تجمع لجالية في المنفى؛ كان رسالة سياسية بامتياز. رسالة تقول إن السياسة تبدأ من الناس، من معاناتهم، ومن قدرتهم على تحويل اللجوء إلى منصة لإعادة تعريف الوطن. والسؤال الآن: هل تلتقط الأحزاب الإشارة، أم تترك الفرصة تمر كما مضت من قبل؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.