الإنهاك الأخلاقي للإسلامويين في السودان

خالد ابواحمد

ما يعيشه السودانيون اليوم لا يمكن اختزاله في كونه صراعًا سياسيًا أو مواجهة ‏عسكرية، بل هو قبل كل شيء صدمة أخلاقية عميقة؛ صدمة نشأت بعد أكثر من ‏ثلاثين عامًا من ارتكاب الجرائم باسم الدين، الذي أُريد له أن يكون غطاءً للكذب ‏والقتل والنهب.‏
قال الله سبحانه وتعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ‏يفلح الظالمون) سورة (الأنعام:21).‏
وهي حقبة أنتجت جيلًا من الأتباع اتسم خطابه بالسباب والشتائم، لا يراعي في الناس ‏إصرًا ولا ذمّة، وانعكست ممارساته بوضوح في مشاركاته عبر مختلف وسائط ‏التواصل، حيث غلبت عليها أقبح الألفاظ، حتى اشتهروا بالبذاءة دون غيرهم. وهذا ‏النوع من السقوط هو الأشد فتكًا، لأنه لم يدمّر الإنسان وحده، بل دمّر المعنى نفسه، ‏وهدم الثقة في القيم التي يُفترض أنها وُجدت لحماية البشر لا لإبادتهم‎.‎
لقد عرف التاريخ البشري مثل هذه اللحظات، وكانت دائمًا الأكثر ظلمة حين تحوّلت ‏العقيدة إلى أداة سلطة، وحين صار “الحق الإلهي” مبررًا لإلغاء الإنسان. لم تكن ‏المشكلة يومًا في الإيمان ذاته، بل في من صادره واحتكره، وحوّله إلى رخصة ‏مفتوحة للعنف. في تلك اللحظات لم تسقط الأديان، بل سقط من تاجروا بها، ولم تُهزم ‏القيم، بل خُنقت تحت وطأة الاستبداد المقدّس‎.‎
غير أن ما يميّز الحالة السودانية اليوم ليس مجرد الفساد أو القمع، بل الانفصام ‏الأخلاقي الكامل؛ خطاب ديني مُعلن يقابله في الواقع سلوك يناقضه في الجوهر. كذب ‏يُدار كسياسة، ووعي يُجرَّف عمدًا، وسلطة لا تتردّد في دفع دم الشعب كله ثمنًا ‏للبقاء، من دون أدنى إحساس بالذنب أو الحاجة إلى المراجعة. هنا لا نكون أمام أزمة ‏حُكم فقط، بل أمام انهيار شامل للشرعية الأخلاقية‎.‎
في هذه المرحلة، لا يعود النظام معنيًا بالإقناع ولا بالإصلاح، لأنه فقد أساسهما معًا، ‏بل ينحصر همه في البقاء المجرّد، مهما كانت الكلفة الإنسانية. وهذا هو الفارق ‏الجوهري بين الهزيمة السياسية والسقوط الأخلاقي: الأولى قد تُراجع وتُصحّح، أما ‏الثاني فيُسجَّل في التاريخ كفضيحة لا كقوة، وكوصمة عار لا كمجد. فالتاريخ لا يخلّد ‏من دمّر شعبه باسم الله، ولا يمنح الغفران لمن صادر القيم التي ادّعى حمايتها‎.‎
ومع ذلك، فإن الألم الحقيقي لا يكمن في حجم الدم والخراب وحدهما، بل في ‏الإحساس القاسي بأن الخير يُهزم أمام أعيننا، وأن الكذب يُكافأ، وأن الدين يُختطف، ‏وأن الإنسان يُسحق بلا معنى هُنا تتجلى المفارقة الموجعة: أن الأمة لم تُهزم لأنها ‏ضعيفة، بل لأنها أُنهكت أخلاقيًا، حين طُلب من الناس أن يكذبوا ليعيشوا، أو يصمتوا ‏ليبقوا أحياء، أو يصفّقوا للجلاد باسم “الضرورة” و”الفتنة”..!‏
ومع ذلك كله، يبقى وجع الأمة دليل حياتها؛ فالميت لا يتألم، والمنهار أخلاقيًا لا ‏يسأل، أما الغضب النبيل والمرارة الواعية فهما علامة ضمير لم يُقتل بعد. كل ‏الإمبراطوريات التي سقطت باسم “الحق المطلق”، بدأت المشهد ذاته: تديّن صاخب، ‏تخوين شامل، دم رخيص، وكذب يُدار كسياسة دولة، ثم تسقط… لا لأن خصومها ‏أقوى، بل لأن الداخل تعفّن‎.‎
وسيكتب التاريخ، مهما طال الزمن، هذه اللحظة بوضوح لا لبس فيه‎: ‎لم يسقط ‏السودان لأن شعبه فشل، بل لأن جماعة ادّعت تمثيل الله، فخانته، وخانت الإنسان، ‏وخانت الوطن‎. ‎أما الشعوب، فقد تُهزم مؤقتًا، لكنها لا تُدان أخلاقيًا؛ الإدانة تبقى دائمًا ‏من نصيب الجلاد‎.‎
ولعلّ أكثر ما يكشف عمق هذا السقوط هو إصرار هذه الجماعة، يومًا بعد يوم، على ‏تقديم الأدلة بنفسها. فالسقوط هنا ليس اتهامًا سياسيًا، بل مسارًا مُعلنًا تؤكده الأفعال ‏قبل الأقوال. كل ما يُكشف من ممارسات، وكل ما يطفو على السطح من فضائح ‏سلوكية وأخلاقية، يضعنا أمام واقع واحد‎: ‎جماعة فقدت أي شعور بالحياء العام، ولم ‏تعد ترى في القيم إلا أدوات للمناورة أو الاتهام المتبادل‎.‎
إن ما يتداوله الناس اليوم من نماذج فجة لانحدار الخطاب والسلوك داخل هذه الدوائر ‏لم يعد يحتاج إلى تفسير أو تبرير. فحين تنكشف المستويات التي وصل إليها بعض ‏رموزهم، يدرك الرأي العام نوع المستنقع الأخلاقي الذي أُدير منه مشروع ادّعى ‏يومًا الطهر والفضيلة. عند هذه النقطة، لا يعود الكذب مجرد وسيلة، بل يتحوّل إلى ‏طبيعة ممارسة، وتصبح الفبركة سلوكًا دفاعيًا تلقائيًا‎.‎
ومن هنا لا يبدو غريبًا أن تُدار حملات تشويه رخيصة ضد شخصيات وطنية ‏معروفة بنزاهتها؛ فهذه الجماعة لا تُحاكم خصومها بأخلاق لم تمارسها، بل تُسقِط ‏عليهم ممارساتها هي نفسها. الاتهام هنا ليس بحثًا عن حقيقة، بل محاولة يائسة لإخفاء ‏العفن الداخلي عبر نقل الوحل إلى الآخرين‎.‎
وهكذا، لا يتعمّق السقوط فقط، بل يتحوّل إلى مشهد مكشوف‎..‎‏ سلطة أخلاقية ‏مزعومة وقد انهارت بالكامل، ولم يتبقَّ منها سوى خطاب عدائي عنصري أجوف، ‏وسجلّ متراكم من التناقضات، وسجل أسود من الجرائم التي ارتُكبت بحق الملايين ‏من البشر في السودان دون أن يرفّ لها جفن. كل ذلك يؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا ‏في خصومهم، بل فيهم هم، وفي مشروعٍ سقط أخلاقيًا قبل أن يسقط سياسيًا‎.‎‎

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.