لا يمكن فهم تعقيدات المشهد السوداني الراهن دون العودة إلى الجذور السياسية التي تشكلت منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي. فمع انقلاب عام 1989 الذي قاده الجيش بدعم من التيار الإسلامي المرتبط بزعامة المفكر الإسلامي حسن الترابي، وتولى بعده عمر البشير السلطة، دخل السودان مرحلة سياسية استمرت ثلاثة عقود تركت آثاراً عميقة على بنية الدولة والمجتمع. خلال تلك السنوات، رسخت الحركة الإسلامية نفوذها داخل مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهو نفوذ ما زال موضوع جدل واسع بين القوى السياسية السودانية التي ترى أن كثيراً من أزمات البلاد الحالية تعود إلى تلك المرحلة.
على الصعيد الخارجي، واجه السودان خلال التسعينيات ضغوطاً دولية متزايدة، إذ اتُهمت الحكومة آنذاك بإقامة علاقات مع جماعات متشددة..
تحولات داخلية وصراعات مستمرة
يرى منتقدو تجربة الإسلاميين في الحكم أن السياسات التي اتُبعت خلال تلك الفترة ساهمت في تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل السودان. ويشير بعض المحللين إلى أن تعقيدات العلاقة بين المركز والأقاليم، إضافة إلى التوترات التاريخية بين الشمال والجنوب، تداخلت مع سياسات الحكم آنذاك، ما جعل مسار الصراع أكثر تعقيداً وصولاً إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.
كما شهدت تلك الفترة اندلاع أو تصاعد صراعات مسلحة في مناطق مختلفة مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وهي أزمات استنزفت موارد الدولة وأثرت على التنمية والاستقرار السياسي.
عزلة دولية وعقوبات اقتصادية
على الصعيد الخارجي، واجه السودان خلال التسعينيات ضغوطاً دولية متزايدة، إذ اتُهمت الحكومة آنذاك بإقامة علاقات مع جماعات متشددة، الأمر الذي أدى إلى فرض عقوبات دولية وعزلة دبلوماسية استمرت لسنوات طويلة. وقد انعكست تلك العقوبات بشكل مباشر على الاقتصاد السوداني، الذي دخل مرحلة من التراجع الحاد والتضخم وارتفاع معدلات الفقر.
علاقات إقليمية معقدة
بعد سقوط نظام البشير عام 2019، دخل السودان مرحلة انتقالية مضطربة، وبرزت مجدداً قضية نفوذ الإسلاميين وعلاقاتهم الإقليمية. وفي هذا السياق، يشير بعض المراقبين إلى أن تركيا كانت من بين الدول التي حافظت على علاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع الخرطوم خلال سنوات حكم الإسلاميين.
ويرى محللون أن هذه العلاقة لم تكن اقتصادية فحسب، بل شملت أيضاً تقارباً سياسياً وأيديولوجياً بين أنقرة وبعض التيارات الإسلامية في السودان. وقد أثار ذلك جدلاً واسعاً داخل البلاد، خاصة فيما يتعلق باتفاقيات اقتصادية واستثمارية مثل مشروع تطوير جزيرة سواكن على البحر الأحمر، الذي اعتبره البعض جزءاً من رؤية تركية لتعزيز حضورها في المنطقة.
جدل حول مواقف مصر
في المقابل، ينظر بعض المحللين إلى السياسة المصرية تجاه السودان باعتبارها اتسمت بنوع من البراغماتية المعقدة. فبينما تعلن القاهرة معارضتها لجماعة الإخوان المسلمين داخل مصر، فإن علاقاتها مع المؤسسة العسكرية السودانية ظلت تحكمها اعتبارات تتعلق بالأمن الإقليمي والاستقرار على الحدود المشتركة.
ويرى مراقبون أن هذا التوازن جعل السياسة المصرية تميل في بعض الأحيان إلى دعم استقرار المؤسسات القائمة في السودان، حتى لو كانت تضم شخصيات ارتبطت بالنظام السابق، وهو ما أثار انتقادات من بعض القوى السياسية السودانية التي كانت تطالب بتغيير أعمق في بنية السلطة بعد الثورة.
المشهد المعقد
اليوم، وبينما يواجه السودان واحدة من أكثر مراحله اضطراباً في تاريخه الحديث، يعود النقاش حول دور الإسلاميين وإرث ثلاثة عقود من الحكم إلى الواجهة مجدداً. فالبعض يرى أن هذا الإرث لا يزال يلقي بظلاله على مؤسسات الدولة والتحالفات الإقليمية، بينما يعتبر آخرون أن الأزمة السودانية أعمق من اختزالها في تيار سياسي واحد.
وفي ظل الحرب المستمرة والانقسامات السياسية الحادة، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة السودان على تجاوز هذا الإرث التاريخي وبناء نظام سياسي جديد يحقق الاستقرار ويستجيب لتطلعات السودانيين في دولة أكثر توازناً واستقراراً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.