التصنيف الأمريكي: بيان خارجية “البغلة” والدبلوماسية في “إبريق” الجماعة!!

ميرغني أبشر

ليس من المعتاد أن يكون المعنيون بالدرجة الخاصة — لا الأولى إن صحّ التوصيف، لأن المعني الحقيقي أولاً هو الشعب السوداني — هم الأكثر اضطراباً في استقبال قرارٍ دولي بهذا الحجم. فقد جاء إعلان وزارة الخارجية الأميركية تصنيف التيار الإسلامي العريض، بفصائله المسلحة وواجهاته السياسية والمدنية، منظمةً إرهابيةً، حدثاً استثنائياً في أثره، غير أن الاستثنائي فيه لم يكن القرار وحده، إنما طبيعة ردود الفعل التي بدت راجفةً وواجفةً إلى حدٍّ لافت، حتى لدى الأطراف التي حاولت، ظاهرياً، إظهار اللامبالاة والتقليل من شأن ما يمكن أن يترتب على هذا التصنيف من تداعيات.
وفي هذا المقال نحاول رصد تلك الردود وتقييمها، سواء على المستوى الرسمي ممثلاً في وزارة خارجية حكومة الأمر الواقع، أو على مستوى مؤسسات الجماعة الإسلامية وقياداتها.
في بيانها الصادر ردّاً على إعلان الخارجية الأميركية، أكدت حكومة الأمر الواقع في الخرطوم “موقفها المبدئي والثابت في إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف دون استثناء أو انتقائية”، معتبرةً أن كل الجماعات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني وترتكب الإرهاب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في السودان ينبغي تصنيفها جماعاتٍ إرهابيةً.
غير أن البيان لم يكتفِ بهذا الإطار العام، وانتقل مباشرةً إلى مطالبة الولايات المتحدة بالاستجابة لما وصفه بـ”الدعوات القوية لتصنيف مليشيا الدعم السريع المتمردة كجماعةٍ إرهابيةٍ”، مستنداً إلى أنها جرائم موثقة تشمل جرائم حرب وإبادةً جماعيةً وأعمالَ إرهاب.
وعند قراءة هذا الرد قراءةً مهنيةً، يتضح أنه أقرب إلى خطابٍ سياسيٍّ تعبويٍّ منه إلى تعليقٍ دبلوماسيٍّ منضبطٍ بلغة القانون والعلاقات الدولية. فالأعراف الدبلوماسية تقتضي — في مثل هذه القرارات السيادية الصادرة عن دولةٍ أخرى — الاكتفاء بتوضيح الموقف القانوني الوطني، أو بيان أثر القرار على الوضع الداخلي، دون الانزلاق إلى خطابٍ تحريضيٍّ أو مطالباتٍ مقابلةٍ لمصدر القرار ذاته.
ولعل المقارنة هنا كاشفةً، إذ سبق لوزارة الخارجية الأميركية أن صنّفت جماعاتٍ مماثلةً في دولٍ مثل الأردن ومصر ولبنان، وقد التزمت البيانات الرسمية في تلك الدول لغةً قانونيةً تفسيريةً، ركزت على توصيف الوضع الداخلي للجماعة داخل حدودها الوطنية، دون توجيه مطالبَ سياسية للدولة صاحبة القرار، وهو ما يعكس تقاليدَ راسخةً في المهنية الدبلوماسية واحترام قواعد التخاطب بين الدول.
أما البيان السوداني فقد انحرف عن هذا النسق في عدة مواضع، من أبرزها:
استخدام عبارة “دون استثناء أو انتقائية”، وهي صيغة تحمل في طياتها اعتراضاً ضمنياً على القرار وتوحي بانحيازٍ سياسيٍّ واضحٍ، بما يفقد الخطاب حياده المفترض.
مطالبة دولة أخرى بتوصيف جماعةٍ داخلية، وهو ما يُفهم دبلوماسياً باعتباره إقراراً ضمنياً بسلطة التصنيف الخارجي والقبول بالإملاء السياسي، الأمر الذي يضعف موقع الندية بين الدول.
توظيف لغة الصراع الداخلي السوداني داخل بيان موجّه للخارج، بما حوّل الرد إلى امتدادٍ للمعركة السياسية المحلية عوض أن يكون خطاباً دولياً محسوباً.
ويبدو أن صياغة البيان جاءت واعيةً — ولو ضمنياً — بطبيعة المرحلة السياسية في واشنطن، خاصةً مع عودة التيار الترامبي إلى البيت الأبيض، وهو تيار عُرف بخياراته الحادة، وقلة صبره الدبلوماسي، واعتماده التدخلات المباشرة والاستباقية دون الحاجة إلى غطاء أمميٍّ واسعٍ أو توافقٍ دوليٍّ تقليدي. غير أن هذا الإدراك لم يترجم إلى حذر دبلوماسيّ، إنما إلى خطاب دفاعيّ متوتر كشف حجم تغلغل الذهنية الإخوانية داخل المؤسسات الرسمية.

أما على صعيد الجماعة الإسلامية نفسها، فقد جاءت ردود الفعل محمّلةً بمحاولة واضحة لاستعارة مقولة الالتفاف الجماهيري التي روّجت لها خلال الحرب، حين حاولت تقديم نفسها بوصفها الجزء الأصيل من مؤسسات الدولة والمجتمع في مواجهة الخصوم العسكريين والسياسيين.
فقد سعى بعض قادتها إلى تصوير القرار الأميركي باعتباره استهدافاً للمجتمع السوداني بأسره، عبر الادعاء بأن الجماعة أصبحت جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي السوداني. غير أن هذا الخطاب بدا أقرب إلى آلية دفاع نفسيّ منه إلى قراءة واقعية للمشهد السياسي.
فالصدمة التي تلقتها الجماعة لم تكن وليدة القرار الأميركي وحده، وإنما تعود جذورها إلى لحظة مفصلية سابقة، حين خرجت جموع السودانيين في ثورة واسعة حازت إعجاب العالم وأسقطت نظامها ذا الطابع الديني، وهو حدث لا يزال يمثل جرحاً سياسياً مفتوحاً في وعي الحركة الإسلامية.
ولهذا بدا خطاب “الاندماج المجتمعي” محاولةً لإقناع الذات قبل إقناع الآخرين، خاصةً أن الترحيب الواسع من قطاعات معتبرة من الشعب السوداني بقرار التصنيف الأميركي شكّل مؤشراً مضاداً للرواية التي حاولت الجماعة ترويجها.
تكشف تداعيات التصنيف الأميركي عن أزمة أعمق، إنها أزمة تداخلٍ مزمن بين الدولة والتنظيم، حيث يصعب أحياناً التمييز بين الخطاب الرسمي وخطاب الجماعة.
وبرغم نفي رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان لأي هيمنة تنظيمية، ما تزال وزارة الخارجية — في نظر كثير من المراقبين — واحدةً من أهم معاقل التيار الإسلامي الحركي داخل مؤسسات الدولة المدنية، بعد المؤسسات النظامية، وهو ما يفسر الطابع الأيديولوجي الذي طغى على البيان الرسمي وأضعف صورته المهنية.
لقد درجت قيادات الحركة الإسلامية، تاريخياً، على الاحتماء بالشعب السوداني في لحظات الأزمات: مرة تحت شعار الحرب، ومرة في مواجهة التسويات السياسية، ومرة أخرى عند صدور قراراتٍ دولية ضدها. غير أن التجربة الأخيرة تشير إلى أن هذا الرهان لم يعد مضمون النتائج، إذ بات الوعي الشعبي أكثر قدرةً على التمييز بين الدولة بوصفها كياناً وطنياً، والتنظيم بوصفه مشروعاً سياسياً خاص يتسربل بالإسلام لينشد السلطة.
إن أخطر ما كشفه قرار التصنيف الأميركي ليس قوته القانونية أو آثاره السياسية فحسب، فقد كشف أيضاً هشاشة الخطاب الرسمي لحكومة الأمر الواقع عندما يختلط بالدفاع الأيديولوجي. فقد أظهر رد الخارجية أن المهنية الدبلوماسية يمكن أن تتراجع سريعاً حين ترتدي الدولة “سربال الجماعة”، فتفقد توازنها وتنكشف عوراتها الإخوانية أمام العالم.
واليوم، لم يعد السؤال متعلقاً بقرارٍ خارجيٍّ بقدر ما هو متعلقٌ بقدرة الدولة السودانية على استعادة استقلال مؤسساتها، وفصل العمل الدبلوماسي عن صراعات التنظيمات، وإعادة نسج علاقتها بشعب بات أكثر وعياً بتجارب الماضي وأقل قابليةً للانخداع بالشعارات القديمة.
فالشعب الذي أسقط النظام مرةً، لم يعد ذلك الغطاء الذي يمكن الاحتماء به كلما ضاقت الخيارات، وقد بدأت ملامح هذه الحقيقة تتجلى بوضوح في طريقة استقبال السودانيين لهذا التصنيف، وفي المسافة المتزايدة بين خطاب الجماعة ووجدان المجتمع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.