استماتة الإخوان المسلمين في السودان للإبقاء على الحرب.. الفساد المحمي بالدم والنار

تقرير خاص : عين الحقيقة

لا يمكن فهم إصرار الحركة الإسلامية السودانية وتنظيم الإخوان المسلمين على إطالة أمد حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، بمعزل عن قراءة متأنية في البنية الاقتصادية التي شيّدها هذا التنظيم على مدى عقود متطاولة، وصار الحفاظ عليها غاية تستأهل عنده إحراق البلاد بأسرها. فالحرب في جوهرها ليست صراعاً عسكرياً على السلطة وحسب، بل هي درع الأخير الذي يحول دون انهيار إمبراطورية مالية بُنيت على النهب والفساد الممنهج، وتتشابك جذورها مع مفاصل الدولة السودانية تشابكاً يجعل السلام خطراً وجودياً على التنظيم قبل أن يكون خلاصاً للوطن.

اقتحم التنظيم عالم المال والأعمال، مستثمراً هجرة كوادره إلى دول الخليج في أعقاب انقلاب مايو 1969م، حيث راكموا الثروات وأعادوا ضخّها في شبكة من المصارف الإسلامية..

تمتد جذور هذه الإمبراطورية إلى عام 1977م، حين فتحت مصالحة نميري الوطنية للإخوان أبواب الدولة على مصاريعها. ففي ظل تلك المصالحة، دأب التنظيم على توظيف مؤسسات ذات طابع خيري وديني واجتماعي واجهةً لتمكين اقتصادي منهجي، إذ أسس جملة من المنظمات شملت منظمة الدعوة الإسلامية والوكالة الإسلامية للإغاثة وجمعية رائدات النهضة وجمعية شباب البناء وجمعية الإصلاح والمواساة ومؤسسة دان فوديو الخيرية، فضلاً عن مؤسسات تعليمية في طليعتها المركز الإسلامي الأفريقي وكلية القرآن الكريم وعدد من المدارس الابتدائية ورياض الأطفال التابعة لمنظمة الدعوة الإسلامية. وفي الوقت ذاته، اقتحم التنظيم عالم المال والأعمال، مستثمراً هجرة كوادره إلى دول الخليج في أعقاب انقلاب مايو 1969م، حيث راكموا الثروات وأعادوا ضخّها في شبكة من المصارف الإسلامية، أبرزها بنك فيصل الإسلامي وبنك التضامن الإسلامي، إلى جانب شركات التأمين والمؤسسات التجارية والعقارية التي قدّمها التنظيم بوصفها بديلاً شرعياً للمصارف الربوية. وتشير المعطيات إلى أن الإخوان كانوا يمتلكون نحو خمسمائة شركة بحلول عام 1980م، تتجاوز رؤوس أموالها المتداولة في الداخل حاجز الخمسمائة مليون دولار.

غير أن الطموح الحقيقي للتنظيم تجلّى في صورته الكاملة بعد انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، حين تحوّل الإخوان من فاعل اقتصادي نافذ إلى حاكم مطلق يوظّف كامل موارد الدولة لخدمة مصالحه. فقد هيمنت النخب المالية داخل الجبهة الإسلامية على مفاتيح الاقتصاد الوطني عبر شبكة متشعبة من البنوك الإسلامية وشركات التأمين ومؤسسات الاستثمار وشركات الصادر والوارد، متخذةً من المنظمات ذات الطابع الخيري كمنظمة الشهيد ومنظمة السلام والتنمية أغطيةً لتنشيط مصالحها. وتكشف وثائق المراجع العام أن حالات الاعتداء على المال العام في الأجهزة الاتحادية خلال العام الممتد من أول سبتمبر 2000م إلى نهاية أغسطس 2001م وحده بلغت أربعمائة وأربعين مليون دينار، وهو رقم لا يعدو كونه غيض من فيض في بحر الفساد الممنهج.

جرى الاستيلاء على أصول القطاع العام ببيعها أو تأجيرها أو منحها بأسعار بخسة لأغنياء الجبهة الإسلامية ومنظماتها..

وتكشف مصادر الثروة التي راكمتها هذه النخب حجم النهب الذي تعرّض له الاقتصاد الوطني، إذ جرى الاستيلاء على أصول القطاع العام ببيعها أو تأجيرها أو منحها بأسعار بخسة لأغنياء الجبهة الإسلامية ومنظماتها، في حين أُسبغت على عناصر التنظيم الحاكم تسهيلات تجارية وإعفاءات ضريبية ورخص استثنائية. وعلى مدى سنوات طويلة، وفّرت حرب الجنوب لتجار الحرب داخل التنظيم مصدراً لا ينضب من الأرباح الطائلة عبر عطاءات الأسلحة والمؤن والملابس العسكرية. ثم جاء استخراج النفط والذهب ليضيف رافداً استراتيجياً لهذا التراكم، إذ يُقدَّر ما نُهب من عائداتهما بعشرات المليارات من الدولارات. ولم يسلم من هذا النهب قطاعا التعليم والصحة، فضلاً عن احتكار السلع الاستراتيجية وتجارة العملة وشركات التوزيع وسوق العقارات ومشاريع الزراعة الآلية ومؤسسات تسويق الثروة الحيوانية، ولم تُستثنَ من هذه المنظومة حتى أموال وعقارات المعارضين السياسيين التي صادرها التنظيم غنائم لأتباعه.

واليوم، يدرك قادة الحركة الإسلامية إدراكاً تاماً أن أي تسوية سلمية حقيقية تعني حتماً فتح ملفات الفساد والمحاسبة على النهب الممتد لأكثر من ثلاثة عقود، وهو ما يجعل السلام في نظرهم تهديداً وجودياً للثروات التي بنوها. ولهذا، يتشبث التنظيم بورقة الحرب ويوظّف نفوذه العميق داخل مؤسسة الجيش المنضوية تحت قيادة البرهان ليحول دون أي حل سياسي ناجع. فاستمرار الحرب يعني استمرار الفوضى التي تُعمّي على المحاسبة، وتُبقي منظومة الفساد بمنأى عن يد العدالة، فيما يدفع المدنيون السودانيون الثمن دماءً وتشريداً وجوعاً وخراباً لا حدّ له. وعليه، فإن الحرب ليست أزمة يسعى هؤلاء إلى حلّها، بل هي بيئة يحرصون على صونها، لأن فيها وحدها تجد إمبراطوريتهم المالية السند والحماية والديمومة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.