كيف حول الإسلاميون مؤسسات الدولة السودانية إلى شبكة نهب منظم؟

تقرير: عين الحقيقة

تكشف شهادات ومعلومات متقاطعة عن ملامح منظومة معقّدة من الفساد الممنهج داخل مؤسسات الدولة السودانية، يُعتقد أن التنظيم الإسلامي رسّخها على مدى سنوات، محولاً أجهزة الدولة إلى أدوات لخدمة شبكة ضيقة من المصالح. وبحسب معطيات تستند إلى شهادة العميد الدكتور محمد عوض فضل الله، فإن انقلاب عام 1989 لم يكن مجرد استيلاء على السلطة، بل تتويجاً لمشروع اقتصادي متدرّج بدأ قبل ذلك بسنوات، عبر بناء قاعدة مالية داخل المصارف والشركات، قبل توظيف السلطة العسكرية لإحكام السيطرة على الموارد. وتشير الشهادة إلى نشوء اقتصاد موازي يعمل خارج الأطر المؤسسية والرقابية، تديره شبكات مرتبطة بالتنظيم من داخل القوات المسلحة ومؤسسات الدولة.

أخطر سمات هذه المنظومة في طبيعتها المغلقة، حيث تم إنشاء مئات الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، في قطاعات حيوية تشمل التأمين والطيران والتصنيع الحربي والتعدين والزراعة..

منظومة مغلقة خارج الرقابة
وتتمثل أخطر سمات هذه المنظومة في طبيعتها المغلقة، حيث تم إنشاء مئات الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، في قطاعات حيوية تشمل التأمين والطيران والتصنيع الحربي والتعدين والزراعة، دون خضوعها للمراجعة العامة أو القوانين المالية. وحصلت هذه الشركات، وفق المعطيات، على إعفاءات جمركية وضريبية، في وقت كانت تُحمَّل فيه التزاماتها على وزارة المالية، في ممارسة تعكس نقل موارد عامة إلى جهات محددة تحت غطاء رسمي.
تداخل التنظيم مع المؤسسة العسكرية
كما تكشف الشهادات عن تدخل عناصر مدنية تنظيمية داخل القرار العسكري، فيما عُرف بـ“السواقين”، وهم أشخاص لا يحملون صفة رسمية داخل الجيش، لكنهم كانوا يؤثرون في قرارات قيادات عليا ويديرون مفاصل الاقتصاد العسكري. وأدى هذا التداخل إلى تقويض استقلالية المؤسسات، وتحويلها إلى أدوات تنفيذ لمشروع سياسي مغلق.
نهب الموارد والقطاعات الحيوية
وامتد الفساد، بحسب الشهادة، إلى استغلال مباشر للموارد، من خلال شركات مثل “شيكان”، حيث جرى التلاعب بأموال التأمين الطبي للجنود، باقتطاع مبالغ من رواتبهم دون تقديم خدمات مقابلة. وفي قطاع الطيران، استخدمت شركات واجهة في أنشطة مرتبطة بنقل السلاح وخرق الحظر الدولي، عبر شبكات خارجية مسجلة بأسماء أفراد لتفادي المساءلة.
المصارف والذهب… تمويل بلا ضوابط
وفي القطاع المصرفي، تحولت بعض البنوك إلى أدوات تمويل للتنظيم، عبر منح قروض دون ضمانات لكوادره، ما ساهم في أزمات مالية متكررة تحملت كلفتها الدولة والمودعون. وبالتوازي، نشأت شبكات لتهريب الذهب يُعتقد أنها تعمل من مواقع خارج الرقابة الجمركية، ما أدى إلى استنزاف أحد أهم موارد البلاد. ورغم هذا النفوذ الاقتصادي، ظل الجندي السوداني في أدنى السلم المعيشي، في مفارقة تعكس أن هذه المنظومة لم تُبنِ لخدمة المؤسسة العسكرية، بل لاستغلالها.
إعادة تموضع بعد 2019
وتشير متابعات «عين الحقيقة» إلى أن الفترة التي أعقبت ثورة ديسمبر 2019 لم تشهد تفكيكاً حقيقياً لهذه الشبكة، بل إعادة تموضع لها، حيث لم تُسترد الشركات، ولم تُفتح ملفات الفساد الكبرى بشكل شامل. واستمرت المنظومة في العمل، إلى أن عاد العسكر إلى الواجهة بانقلاب أكتوبر 2021، ما أدخل البلاد في دوامة صراع يُعتقد أن هذه الشبكات المالية تسهم في تغذيته.

تعزز تقارير مرتبطة بشخصيات بارزة في النظام السابق، من بينها عوض الجاز، هذه الصورة، مع حديث عن اختفاء مليارات الدولارات من عائدات النفط ووجود أصول خارج البلاد..

أموال مفقودة وأسئلة بلا إجابة
وتعزز تقارير مرتبطة بشخصيات بارزة في النظام السابق، من بينها عوض الجاز، هذه الصورة، مع حديث عن اختفاء مليارات الدولارات من عائدات النفط ووجود أصول خارج البلاد، في ظل غياب محاسبة شاملة. ورغم بعض المحاكمات المحدودة، لا يزال السؤال الأبرز قائماً: أين ذهبت أموال السودان؟
اقتصاد الحرب واستمرار الصراع
ويرى مراقبون أن استمرار هذه المنظومة يعني عملياً استمرار الصراع، إذ لا تزال شبكات التمويل المرتبطة بها قادرة على شراء السلاح وتحريك المجموعات المسلحة، إلى جانب إدارة منصات إعلامية تحافظ على نفوذها. ويشير آخرون إلى أن أي عملية انتقال سياسي أو سلام مستدام تظل محدودة الجدوى ما لم يتم تفكيك هذا الاقتصاد الموازي بشكل جذري.
▪︎ ضرورة التفكيك واستعادة الدولة
ويؤكد خبراء أن تفكيك هذه الشبكة لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية، تبدأ بإخضاع الشركات العسكرية لرقابة مستقلة، واسترداد الأموال المنهوبة، وملاحقة الشبكات المرتبطة بها قانونياً، إلى جانب إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية. وفي ظل ذلك، تبدو المعركة في السودان اليوم ليست فقط ضد الاستبداد السياسي، بل أيضاً ضد بنية اقتصادية فاسدة تحميه وتعيد إنتاجه… واستعادة الدولة، وفق هذه الرؤية، لن تكتمل إلا بكسر هذه الحلقة، وإعادة المال العام إلى أصحابه الشعب السوداني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.