ثروات البترول في قبضة الإسلاميين.. كيف أُهدرت مليارات النفط منذ التسعينات؟
تقرير: عين الحقيقة
منذ اكتشاف النفط بكميات تجارية في السودان مطلع تسعينات القرن الماضي، شكّلت هذه الثروة نقطة تحول مفصلية في تاريخ البلاد الاقتصادي.. إلا أن هذا التحول لم يُترجم إلى نهضة تنموية شاملة، بل ارتبط، وفق تقارير رسمية ووثائق رقابية وشهادات خبراء، بواحدة من أكبر عمليات الفساد المنظم، التي مارستها الحركة الإسلامية «الإخوان» التي حكمت البلاد لثلاثة عقود.
تشكّلت شبكة معقدة من الشركات والواجهات الاستثمارية المرتبطة بقيادات الحركة الإسلامية، سيطرت تدريجياً على مفاصل قطاع النفط والخدمات المرتبطة به..
بداية الطفرة.. ونشأة منظومة السيطرة
مع تصدير أول شحنة نفط في التسعينات، دخلت البلاد فعلياً نادي الدول المنتجة.. وتدفقت مليارات الدولارات إلى خزينة الدولة، وسط توقعات بأن تسهم هذه الموارد في تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية.. لكن، بحسب تقارير المراجع العام السوداني في سنوات لاحقة، لم تكن هناك شفافية كافية في إدارة عائدات النفط، كما غابت الآليات المؤسسية الصارمة للرقابة.
وبدلاً من ذلك، تشكّلت شبكة معقدة من الشركات والواجهات الاستثمارية المرتبطة بقيادات في الحركة الإسلامية، سيطرت تدريجياً على مفاصل قطاع النفط والخدمات المرتبطة به، بما في ذلك النقل، والتأمين، والمقاولات، والإمدادات اللوجستية.
شركات الظل.. اقتصاد موازٍ خارج الرقابة
تشير إفادات رسمية ووثائق متداولة إلى أن عدداً من الشركات الكبرى أُسِّس بأسماء أفراد أو واجهات خاصة، لكنها في الواقع كانت تُدار لصالح مراكز نفوذ داخل النظام.. وقد حصلت هذه الشركات على امتيازات واسعة، شملت إعفاءات ضريبية وتسهيلات مصرفية ضخمة، إضافة إلى احتكار بعض الخدمات المرتبطة بصناعة النفط.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الممارسات أدت إلى نشوء ما يُعرف بالاقتصاد الموازي، حيث تحوّلت عائدات ضخمة بعيداً عن القنوات الرسمية، ما أضعف قدرة الدولة على توظيف مواردها في التنمية، وأسهم في تعميق الفجوة بين المركز والأقاليم.
تبديد العائدات.. أرقام بلا أثر تنموي
خلال الفترة بين 1999 و2011، قُدّرت عائدات النفط السوداني بعشرات المليارات من الدولارات.. غير أن هذه الأرقام لم تنعكس بشكل ملموس على مؤشرات التنمية.. فالبنية التحتية ظلت محدودة، والخدمات الصحية والتعليمية تعاني من تدهور واضح، فيما استمرت معدلات الفقر والبطالة في الارتفاع. ووفقاً لتقارير رقابية، لم تُورَّد كامل عائدات النفط إلى وزارة المالية، كما خُصِّصت أجزاء كبيرة منها خارج الموازنة العامة، في بنود وُصفت بأنها «سيادية» أو «خاصة»، دون إخضاعها للرقابة البرلمانية أو المؤسسية.
الفساد المؤسسي.. من الاستثناء إلى القاعدة
لم يعد الفساد، بحسب محللين، مجرد حالات فردية، بل تحوّل إلى نمط حكم قائم بذاته.. فقد أُعيد تشكيل مؤسسات الدولة بطريقة تسمح بتداخل المصالح بين السلطة السياسية والنشاط الاقتصادي، ما أوجد بيئة مواتية لتضارب المصالح واستغلال النفوذ. كما أُشير إلى أن بعض القيادات النافذة استخدمت نفوذها في توجيه العقود الحكومية ومنح الامتيازات لشركات مرتبطة بها، في غياب المنافسة العادلة.. وأدى ذلك إلى إضعاف القطاع الخاص الحقيقي، وإقصاء العديد من المستثمرين غير المرتبطين بالنظام.
سوء إدارة عائدات النفط خلال سنوات الوفرة كان أحد الأسباب الرئيسية في تفاقم الأزمة الاقتصادية لاحقاً، حيث لم تُستثمر تلك الموارد في قطاعات إنتاجية بديلة، مثل الزراعة أو الصناعة.
ما بعد الانفصال.. انكشاف الهشاشة
مع انفصال جنوب السودان في العام 2011، فقدت الخرطوم نحو 75% من إنتاج النفط، ما أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات.. هذا التحول كشف هشاشة الاقتصاد السوداني، الذي اعتمد بشكل كبير على النفط دون تنويع مصادر الدخل أو بناء قاعدة إنتاجية مستدامة. ويرى محلل سياسي، فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة»، أن سوء إدارة عائدات النفط خلال سنوات الوفرة كان أحد الأسباب الرئيسية في تفاقم الأزمة الاقتصادية لاحقاً، حيث لم تُستثمر تلك الموارد في قطاعات إنتاجية بديلة، مثل الزراعة أو الصناعة.
مطالب بالمحاسبة واسترداد الأموال
في أعقاب التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد بعد ثورة ديسمبر المجيدة 2019، تصاعدت الدعوات إلى فتح ملفات الفساد المرتبطة بقطاع النفط، ومراجعة أداء الشركات التي نشأت خلال فترة حكم الحركة الإسلامية. كما طالبت جهات قانونية وناشطون بضرورة استرداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة المتورطين وفق القانون. وأكدت لجان تحقيق رسمية أن هناك حاجة ملحّة لتفكيك شبكات المصالح التي تشكّلت خلال العقود الماضية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية والمساءلة.
إرث ثقيل وتحديات مستمرة
اليوم، لا تزال البلاد تواجه تداعيات تلك المرحلة، في ظل اقتصاد مثقل بالديون، وحرب مستمرة بين اصطفافات الإسلاميين والجيش في مواجهة الدعم السريع، ومؤسسات تحتاج إلى إصلاح عميق. إلى ذلك، يجمع خبراء على أن معالجة آثار الفساد في قطاع النفط تتطلب إرادة سياسية قوية، وإصلاحات هيكلية شاملة، تبدأ من تعزيز الشفافية، وتمر بإعادة هيكلة الاقتصاد، ولا تنتهي عند تحقيق العدالة والمحاسبة. وبينما تبقى الأرقام والوثائق شاهدة على حجم الموارد التي تدفقت إلى البلاد، يظل السؤال الأهم: كيف يمكن استعادة ثقة المواطنين في إدارة مواردهم، وضمان ألا تتكرر تجربة إهدار الثروات مرة أخرى؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.